عاجل

رمضان… مدرسة القيم وتجديد الإنسان

د. نوال محمد نصير

 

مع اقتراب شهر رمضان، لا نستقبل زمنًا مختلفًا فحسب، بل ندخل تجربة إنسانية متجددة تعيد صياغة علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. فالشهر الكريم ليس مجرد شعيرة دينية تؤدى، بل منظومة قيم متكاملة تُمارس يوميًا، وتنعكس آثارها على الفرد والمجتمع معًا.

الصيام في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام والشراب، بل هو تمرين عملي على الانضباط الذاتي، وضبط السلوك، وإدارة الرغبات. إنه تدريب سنوي مكثف على الصبر، والتحمل، وتحمل المسؤولية الأخلاقية. وعندما يمتنع الإنسان عن المباح طوعًا، يصبح أقدر على اجتناب الخطأ، وأوعى لحدود تصرفاته.

رمضان كذلك يعيد الاعتبار لمعنى التكافل الاجتماعي. في هذا الشهر تتسع دوائر العطاء، وتتراجع الفوارق، ويشعر الناس بمسؤوليتهم تجاه الفئات الأقل حظًا. موائد الإفطار الجماعية، والصدقات، وزكاة المال، كلها ليست طقوسًا شكلية، بل تجسيد حي لفكرة التضامن التي يحتاجها المجتمع في كل وقت.

و يمثل رمضان فرصة سنوية للمراجعة الذاتية. فهو زمن التقييم الصادق للسلوك، وإعادة ترتيب الأولويات، والتخفف من الضغوط اليومية التي تُبعد الإنسان عن جوهره الروحي. في أجواء هذا الشهر، يجد كثيرون مساحة للتأمل، وهدوءًا يسمح باتخاذ قرارات تصحيحية طال انتظارها.

إن قيمة رمضان لا تنتهي بانتهاء أيامه، بل تقاس بمدى استمرارية أثره بعد رحيله. فالمطلوب ليس أن نكون صالحين ثلاثين يومًا فقط، بل أن نحمل معنا ما تعلمناه من انضباط ورحمة وتكافل إلى بقية العام.

 

يبقى رمضان مدرسة سنوية مفتوحة، يتعلم فيها الإنسان كيف يكون أقرب إلى الله، وأكثر وعيًا بذاته، وأرحم بغيره. وفي عالم تتسارع فيه التحولات، تظل هذه القيم ضرورة إنسانية قبل أن تكون التزامًا دينيًا.