عاجل

!جريمة الترفيع الآلي: نُجبرهم على النجاح ونقودهم إلى الأُمّيّة

     بقلم د. منى الواكد 

بينما ننشغل في تطوير المناهج والحديث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في التعليم، يمرّ بصمتٍ خلف أبواب الغرف الصفية في صفوفنا الأولى قانونٌ غريب في فلسفته، خطيرٌ في نتائجه؛ إنه قانون “الترفيع الآلي” الذي يمنع رسوب الطالب في الصفوف الثلاثة الأولى، ويجبر النظام على نقله إلى الصف الرابع مهما كان مستوى تحصيله المعرفي، ومهما بلغت فجواته التعليمية.

​  بصفتي أكاديمية وتربوية أراقب الميدان عن قرب، أجد نفسي أمام تساؤلٍ أخلاقي وتربوي ملحّ: من المستفيد من نجاح طالب يصل إلى عتبة الصف الرابع وهو لا يفرق بين الألف والياء؟

​  إن الفلسفة التي استند إليها هذا القانون هي حماية الطفل نفسيًا من وصمة “الرسوب”.

لكن الواقع الميداني يثبت أننا بترفيعنا للطالب الضعيف، نحكم عليه “بالفشل المؤجل”؛ فالصف الرابع هو المحطة الفاصلة التي ينتقل فيها الطالب من مرحلة “تعلم القراءة” إلى مرحلة “القراءة من أجل التعلم”؛ حيث يبدأ بالاعتماد على نفسه في فهم العلوم والرياضيات والمواد الأدبية. فكيف سيفهمها وهو لا يملك أدوات القراءة أصلًا؟ نحن بذلك نلقي به في بحرٍ من المعارف المعقدة وهو مجرد من “طوق نجاة” الأساسيات، مما يولد لديه شعورًا بالإحباط يتضاعف كل عام، وينتهي به الأمر غالبًا إلى التسرب من التعليم في المراحل اللاحقة وهو لا يتقن مهارات الحياة الأساسية.

​     الخلل ليس في إنسانية القانون، بل في عجزه عن تقديم البديل الحقيقي. ففي الأنظمة التعليمية التي تمنع الرسوب، يُلزم النظام المدرسي فورًا بخطة علاجية فردية مكثفة. أما في واقعنا، فإننا نكتفي برفع الطالب ورقيًا لتجميل الأرقام، ونترك المعلم المثقل بعشرين أو ثلاثين طالبًا يصارع الوقت والمنهج، لتكون النتيجة في النهاية: “نجاحًا وهميًا” على الورق، وأمّيّة حقيقيّة” في العقول تظهر فجيعتها الكبرى مع أول يوم في الصف الرابع.

​لقد حان الوقت لمراجعة هذه التشريعات؛ ليس لتعذيب الطالب بالرسوب، بل لإنقاذه بالتمكين. نحن بحاجة إلى:

​   إعادة تعريف السنة الدراسية: لتصبح سنة تمكين لمن لم يتقن المهارات الأساسية، دون خجل أو وصمة، لأن الظلم الحقيقي هو دفعه نحو الصف الرابع وهو لا يملك سلاح المعرفة.

​اعتماد “نظام الدعم التربوي المكثف”: بحيث يصبح حقًا أصيلًا للطالب أن يتلقى تعليمًا فرديًا متخصصًا خارج الحصة الصفية العادية، بإشراف معلمين متخصصين في معالجة الضعف التأسيسي، بعيدًا عن ضجيج الغرف الصفية المزدحمة.

​إن الأمانة العلمية تقتضي منا ألا نصمت عن خللٍ يضرب أساسات البناء التعليمي. فالتعليم ليس مجرد انتقال آلي من مرحلة إلى أخرى، بل هو بناء مهارات وتشكيل وعي. لنمنح أطفالنا تعليماً حقيقياً، لا مجرد “ترقيع” إداري يظلم الإنسان ليخدم الأرقام.