عاجل

ا. د جبريل الطورة يكتب.. مصافحة بالإكراه… وإدارة بعقلية الوصاية

كتب . ا. د جبريل الطورة

إذا صحت الرواية المتداولة عن فصل موظفة من عملها لأنها رفضت مصافحة مديرها، فنحن لسنا أمام خلاف عابر في بيئة عمل، بل أمام نموذج مؤسف لعقلية إدارية تعتقد أن السلطة الوظيفية تمنح صاحبها حق التحكم في قناعات الناس وحدودهم الشخصية.

القضية، كما نُشرت في مواقع محلية بعد حديث الموظفة عبر برنامج “بصوتك مع عامر الرجوب”، لا تتعلق بمصافحة عادية، بل بمبدأ أعمق: هل يملك مدير أو صاحب شركة أن يفرض على موظفة سلوكاً اجتماعياً لا ترغب به؟ وهل أصبحت الكفاءة والانضباط والقدرة على العمل تقاس بمدى استعداد الموظف أو الموظفة للتنازل عن قناعاته الشخصية لإرضاء مزاج المدير؟

إن المصافحة، في أصلها سلوك اجتماعي قائم على الرضا والاحترام، فإذا تحولت إلى أمر إداري، أو اختبار ولاء، أو سبب للعقوبة والفصل، فقد فقدت معناها وتحولت من مجاملة إلى أداة ضغط.

والأسوأ أن يُقدّم الأمر وكأنه دفاع عن “اللباقة” أو “الذوق”، بينما هو في جوهره تعدّ على الحرية الشخصية وخلط فاضح بين الإدارة والوصاية.

والأكثر إيلاماً في الرواية المتداولة أن الموظفة ذكرت في مداخلتها أن بعض زميلاتها صافحن المدير على غير قناعة، خوفاً من أن يتعرضن للمصير نفسه، وأن بعضهن كن يدخلن إلى دورات المياه للبكاء بعد ذلك.

وإذا صح هذا التفصيل، فنحن أمام بيئة عمل لا تنتج احتراماً، بل تنتج خوفاً وانكساراً صامتاً، وأي إدارة تلك التي تجعل الموظفة تختار بين قناعتها ولقمة عيشها؟ وأي نجاح إداري يمكن أن يُبنى على دموع موظفات شعرن أنهن اضطررن للتصرف خلاف ما يؤمن به؟

المدير الناجح لا يحتاج إلى مصافحة موظفة كي يشعر بالهيبة، هيبة المدير تبنى بالعدل والكفاءة واحترام العاملين، لا بفرض المجاملات الاجتماعية على من لا يرغب بها، أما من يرى في رفض المصافحة إهانة شخصية تستحق العقاب، فهو لا يدير مؤسسة، بل يدير مزاجه وغروره من كرسي الإدارة.

بيئة العمل ليست بيتاً خاصاً لصاحب الشركة، ولا مساحة شخصية تدار بالأوامر التي تمس كرامة الناس وقناعاتهم، هناك حدود واضحة يجب أن تقف عندها السلطة الإدارية: من حق صاحب العمل أن يطلب الالتزام بالدوام، والإنتاج، وأخلاقيات العمل، واحترام الزملاء، لكنه لا يملك أن يفرض على العاملين ما يتصل بخصوصيتهم الشخصية أو قناعاتهم الدينية والاجتماعية أو حدودهم الفردية.

وإذا كان رفض المصافحة قد انتهى فعلًا بفصل موظفة بعد أسبوع من تعيينها، فإن السؤال هنا لا يخص هذه المؤسسة وحدها، بل يخص سوق العمل كله، كم موظفاً وموظفة يبتلعون قناعاتهم يومياً خوفاً من الراتب؟، وكم سلطة صغيرة تمارس وصاية كبيرة تحت عنوان “تعليمات الإدارة”؟.

المؤسسات المحترمة لا تحرج موظفيها في قناعاتهم، ولا تجعل المجاملة الإجبارية شرطاً للبقاء في العمل، المؤسسة التي تحترم نفسها تضع سياسات مهنية واضحة، وتمنع الإكراه والإحراج، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره جزءاً طبيعيًا من المجتمع، لا ذريعة للعقاب.

أما تحويل المصافحة إلى معيار للطاعة، فهو سقوط إداري وأخلاقي قبل أن يكون خطأ وظيفياً، فالاحترام لا ينتزع بالمصافحة، ولا يُفرض بالتعميم، ولا يُحمى بالفصل. الاحترام الحقيقي يبدأ عندما يدرك المدير أن الموظف إنسان له كرامة وحدود وقناعات، لا تابع ينتظر إشارة الرضا.

نحن بحاجة إلى ثقافة عمل جديدة، تفصل بين المهنية والوصاية، وبين الإدارة والتحكم، وبين الاحترام والإجبار. فمن لا يعرف كيف يحترم حدود موظفيه، لا يحق له أن يطالبهم باحترام سلطته.

خلاصة القول أن قناعة الموظفة ليست جزءاً من عقد العمل، وخصوصيتها ليست ملكاً لصاحب المؤسسة، ومن يظن أن سلطته الإدارية تمنحه حق الضغط على قناعات الناس، فهو لا يدير مؤسسة، بل يحول بيئة العمل إلى مساحة ابتزاز ناعم، وهذا سقوط أخلاقي يستوجب أن يوقف عند حدود القانون والكرامة والأخلاق.