عاجل

سحب الجنسية… حين يتحول الوطن إلى أداة عقاب بيد أبواق الفتنة

بقلم. الأستاذ علي الزينات ابو حسين

ما الذي أوصلنا إلى هذا المستوى من الانحدار في الخطاب؟ كيف أصبح بعضهم يتعامل مع الوطن وكأنه ملكية خاصة، يوزع حق الانتماء إليها ويصادره وفق مزاجه وضيق أفقه؟ منذ متى صار التعبير عن الرأي جريمة، وصار الاختلاف خيانة، وأصبح التنوع في وجهات النظر تهديدا يستوجب الاقصاء؟
الأخطر من الفكرة نفسها، هو أولئك الذين يروجون لها. أبواق مأجورة، تظهر علينا عبر قنوات مختلفة، لا ترى في الوطن إلا ساحة لتصفية الحسابات، ولا في المواطنين إلا أدوات تصنيف: هذا معنا، وهذا ضدنا. لا يؤمنون بدولة، بل بقطيع يسكنونها ، ولا يريدون شعبا واعيا، بل جمهورا خائفا، صامتا، يصفق دون أن يفكر…
سحب الجنسية ليس “رأيا” ، بل جريمة أخلاقية وفكرية قبل أن تكون سياسية. هو إعلان صريح بأن الوطن لم يعد يتسع لأبنائه، وأن الانتماء لم يعد حقا أصيلا، بل منحة قابلة للسحب. من يطالب بذلك، لا يدافع عن الدولة، بل يهدم أسسها من الداخل، لأن الدول القوية تبنى على التعدد، لا على الإقصاء، وعلى الثقة، لا على التخوين، وعلى الدولة ان تحاسب كل شخص نادى وهاجم وشكك..
هل أصبح حب الوطن يعني أن نصمت؟ أن نوافق على كل شيء؟ أن ندفن عقولنا ونمشي في طابور التصفيق؟ إن كان هذا هو تعريفهم للوطنية، فهي وطنية زائفة، هشة، تخاف من كلمة، وترتجف أمام رأي، الوطن الحقيقي لا يخاف من أبنائه، بل يخاف عليهم، لا يعاقبهم لأنهم تكلموا، بل يصغي لهم. لا يقصي المختلف، بل يحتضنه. أما من يطالب بسحب الجنسية، فهو لا يحمي الوطن… بل يحاول اختطافه، ويبالغ كثيرا بالتسحيج.
كفى عبثا، كفى استقواء على الناس بشعارات جوفاء. كفى تحويل الخلاف إلى معركة وجود، الأردن أكبر منكم، وأعمق من ضيقكم، وأقوى من كل محاولاتكم لتفتيته بالكراهية، التعبير عن الرأي ليس جريمة… الجريمة الحقيقية أن نحاول خنقه