عاجل

حلول مقترحة للضمان الاجتماعي: من صندوق تقاعد إلى شريك حقيقي في التنمية المستدامة

المهندس أحمد نضال عواد

الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة مالية تُدير اشتراكات ورواتب تقاعدية، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وعقد تكافل بين الأجيال. فلسفته تقوم على حماية أصحاب الدخل المحدود وضمان العدالة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استدامة الصندوق للأجيال القادمة. التحديات الراهنة، بما في ذلك فجوة الرواتب المرتفعة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، تفرض علينا إعادة التفكير في دوره ليصبح أكثر من مجرد صندوق تقاعد، بل محركاً للاستثمار الاجتماعي والتنمية المستدامة.

من أبرز القضايا المطروحة وجود عدد محدود من المتقاعدين برواتب تقاعدية مرتفعة جداً مقارنة بمتوسط الرواتب، وهو ما يثير شعوراً بعدم العدالة رغم محدودية عددهم. يمكن التفكير في آليات مبتكرة تقلل هذه الفجوة دون صدام، مثل تحويل جزء من هذه الرواتب إلى أصول إنتاجية أو أراضٍ مملوكة للدولة تُسجّل لهم كاستثمار اجتماعي. هذا يسمح للمتقاعدين بأن يصبحوا مستثمرين اجتماعيين يحققون عوائد مستدامة، مع إمكانية توريث هذا الاستثمار لأبنائهم، ما يحوّل الفجوة إلى فرصة لتعزيز التنمية الشاملة.

حالياً، تستثمر إدارة الضمان أموالها في الأسهم والبنوك، وهو أمر طبيعي لأي صندوق مالي. لكن المطلوب اليوم هو إضافة بعد جديد يقوم على الاستثمار الاجتماعي المباشر، بحيث تُوجّه الأموال إلى مشاريع تخدم المشتركين وتحرّك الاقتصاد الوطني. يمكن أن تشمل هذه المشاريع الإسكان والتطوير العقاري، تمويل مشاريع صغيرة ومتوسطة، المبادرات الزراعية والصناعية والتقنية، بل وحتى تطوير مدن جديدة ذكية. هذا النموذج لا يحرك قطاع الإنشاءات فحسب، بل ينشط الزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات، ويخلق فرص عمل واسعة للشباب، مما يعزز النمو الاقتصادي المستدام ويزيد من ثقة المجتمع بالمؤسسة.

رفع سن التقاعد وزيادة الاشتراكات قد يحمي الصندوق مالياً، لكنه قد يفاقم مشكلة البطالة بين الشباب. لذلك يجب أن يوازن الإصلاح بين حماية حقوق المتقاعدين وضمان فرص العمل للأجيال الجديدة. هنا يأتي دور سياسات التشغيل والتدريب المهني وريادة الأعمال، بحيث يصبح الضمان جزءاً من منظومة أوسع لدعم الشباب وإدماجهم في الاقتصاد النظامي. الاستثمار في المهارات الرقمية والتقنيات الحديثة وريادة الأعمال يفتح أبواب أسواق العمل المحلية والدولية أمام الشباب الأردني، ويزيد من إنتاجية الاقتصاد، ويضمن استدامة مالية للصندوق، ليصبح الضمان أداة لدعم اقتصاد المعرفة والابتكار وليس مجرد مؤسسة لإدارة الماضي.

نجاح أي تعديل يتطلب حواراً واسعاً وشفافاً بين جميع الأطراف، بما في ذلك الحكومة ومجلس النواب ومجلس الأعيان والنقابات المهنية وممثلي المتقاعدين وأصحاب الرواتب المرتفعة وخبراء الاقتصاد والضمان. إشراك الجميع في صياغة الحلول يحوّلهم إلى شركاء في التنمية بدلاً من أن يكونوا موضع انتقاد، ويضمن استفادة الجميع: من المؤسسة باستدامة مالية، والحكومة بتحريك الاقتصاد وتقليل الدين، والمتقاعدين بعوائد استثمارية وفرص توريث، والشباب بمشاريع وفرص عمل جديدة، وصولاً إلى الاقتصاد الوطني بتنشيط جميع القطاعات التنموية. يمكن تنفيذ هذا الحوار رقمياً لتسريع الإنجاز وضمان سماع جميع الآراء والأفكار دون تكلفة إضافية.

إصلاح الضمان الاجتماعي في الأردن يجب أن يتجاوز الجانب المالي ليصبح مشروعاً وطنياً للتكافل والاستثمار الاجتماعي. إذا نجحنا في تحويله إلى شريك في التنمية، سنحقق معادلة تجمع بين استدامة مالية وعدالة اجتماعية وتحفيز اقتصادي شامل يخدم جميع الأجيال، ليصبح الضمان الاجتماعي محركاً للتنمية المستدامة وشراكة وطنية جامعة بين الحكومة والمؤسسة والمتقاعدين والشباب، ويعكس رؤية وطنية متكاملة لدعم النمو الاجتماعي والاقتصادي للأردن الأغلى والأجمل، والنجمة السباعية في علم بلادي تستحق منا جميعاً الأفضل دائماً.