مازن القاضي…لم تتبدل بوصلته ولم يرفع صوته بل رفع مستوى الأداء
وكالة الناس – ليث الفرايه – في تاريخ الأوطان، لا يأتِ الرجال أصحاب البصمات من الصدفة، ولا تصنعهم المناصب العابرة، ولا تلمّعهم الأضواء المؤقتة؛ فالرجال الكبار يُصنعون في اللحظات التي ترتبك فيها الخطوات، ويُختبر معدنهم في الساعات التي يهتز فيها ميزان الثقة، حين تحتاج الدولة إلى من يقف في مقدمة الصفوف، لا طلبًا للواجهة، بل حمايةً للثبات.
هناك رجال يمرّون في المشهد العام وكأنهم أعمدة صامتة تحمل سقف الدولة دون أن تطلب من أحد الاعتراف؛ رجال يعرف الناس قيمتهم قبل أن يعرفوا سيرتهم، ويحفظون أسماءهم لأنهم رأوا أثرهم قبل أن يسمعوا خطابهم ومن بين هؤلاء يقف مازن باشا القاضي، رئيس مجلس النواب، قامة وطنية تخرج من مدرسة الانضباط الهادئ، من زمنٍ كان فيه المسؤول لا يُعرف بظهوره، بل بما يتركه من أثرٍ خلفه؛ من جيلٍ كان فيه الولاء للوطن يقينًا لا شعارًا، والعطاء واجبًا لا مناسبة فهو ليس مجرد رجل أمن، ولا مجرد إداري، ولا مجرد وزير مرّ في سجلات الدولة؛ بل حالة وطنية كاملة، تُجسد معنى أن يكون الإنسان ابن دولة يحملها في قلبه قبل أن يُكلَّف بحملها في موقعه.
ما يميز مازن باشا القاضي أنه لم يكن يومًا تابعًا للحدث، بل صانعًا للثبات؛ يمتلك تلك القدرة النادرة على قراءة المشهد من أعلى ومن عمق في آنٍ واحد، فيختار القرار الأقرب لمصلحة الدولة، لا الأقرب لرضا اللحظة حيث لم يتغيّر صوته حين تغيّرت الظروف، ولم تتبدل بوصلته حين تبدلت المواقع، وظلّ ثابتًا على معادلة واضحة: الدولة أولًا… والناس في قلبها.
تاريخ الأردن مليء بمحطات احتاجت إلى رجال يعرفون معنى المسؤولية؛ رجال يدركون أن الأمن ليس عصًا بل وعي، وأن الإدارة ليست توقيعات بل رؤية، وأن الوزارة ليست منصبًا بل امتحان وفي كل تلك المحطات، كان اسم مازن باشا القاضي حاضرًا لأنه الأقرب إلى فلسفة الدولة القائمة على التوازن والرشد والانضباط.
لم يعرف الرجل طريق الاستعراض، ولم يطلب يومًا التصفيق. كان يسير بصمت، لكنه يترك أثرًا عميقًا في وجدان من عرفوه أو عملوا معه حيث هيبته لم تأتِ من منصبه، بل من شخصيته، من انضباطه، من هدوئه، من حكمته، ومن فهمه العميق لمفهوم الدولة الحديثة فهو من أولئك الذين إذا دخلوا موقعًا تركوه أكثر انضباطًا، وإذا استلموا ملفًا تركوه أكثر وضوحًا، وإذا تعاملوا مع الناس تركوهم أكثر ثقة بالدولة.
وحين حمل مازن باشا القاضي مؤخرًا أمانة رئاسة مجلس النواب، لم تكن تلك محطة طارئة في مسيرته، بل امتدادًا طبيعيًا لرجل راكم من الخبرة والاتزان، وقادرٌ على تحويل التحديات إلى فرص ومنذ اللحظة الأولى لقيادته للمجلس، بدا واضحًا أن الرجل يسير باتجاه إعادة الاعتبار الحقيقي للدورين الرقابي والتشريعي، عبر إدارة هادئة رفعت من سوية النقاش، وضبطت إيقاع العمل البرلماني، ورسّخت ممارسة رقابية مسؤولة تستند إلى الدستور لا إلى الشعبوية، وتشريعٍ أكثر نضجًا يلامس احتياجات الدولة والمواطن معًا.
وفي مقابل هذا الأداء المؤسسي الجاد، لم تغب محاولات الاصطياد في الماء العكر، ولم يتأخر المتنطحون في إطلاق الضجيج والتشويش على عمله، عبر خطاب فارغ لا يحمل رؤية ولا بديلاً، ولا يستهدف سوى كسر الثقة وبث الإرباك، من أطراف وشخوص ينتقدون حين يعجزون عن البناء غير أن مازن باشا القاضي، بثباته وخبرته، لم ينجرّ إلى مهاترات، ولم يلتفت إلى محاولات التشويه، مؤمنًا بأن المجلس القوي يُبنى بالأداء لا بالصراخ، وبأن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى قيادة تعرف متى تحسم، ومتى تُصغي، ومتى تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
لم يرفع القاضي صوته، بل رفع مستوى الأداء، ولهذا حين نكتب عنه، نحن لا نكتب عن سيرة شخصية، بل عن نموذج، وعن قيمة، وعن رجل وطني متميز.
