د. أحمد الحوراني .. غاب الجسد ولا يزال الأثر حيّاً

كتب. بهاء الشنتير

لم يكن الدكتور أحمد الحوراني رجلًا يمشي على الأرض،
كان فكرةً إذا نزلت أرضًا… نهضت.
وحين غاب الجسد،
بقي المعنى واقفًا كرايةٍ لا تُنكس.
هو الذي لم يعلّم الحروف،
بل حرّر العقول من ضيقها،
ولم يفتح أبواب مدارس،
بل فتح أبواب الزمن لأجيالٍ تعرف من أين تبدأ،
وإلى أين تمضي.
إذا ذُكر البناء قيل اسمه،
وإذا ذُكر الإنسان قيل مشروعه،
وإذا سُئل التاريخ: من مرّ من هنا؟
أجاب: هذا رجلٌ ترك أثره يمشي بدلًا عنه.
عشرُ سنواتٍ والغياب غائب،
لأن الأثر حين يكون بحجم الوطن
يصبح أكبر من الفقد،
وأطول من العمر.
وحين ترجل صاحب الراية،
لم تسقط السماء،
بل خرج من ظله فارس،
حمل الحلم بسيف الحكمة،
وتقدّم.

الدكتور ماهر الحوراني،
لم يرث الاسم،
بل واجه الريح،
فثبت،
وقاد المسيرة كما تُقاد المعارك النبيلة:
بصدرٍ مفتوح،
وعقلٍ حاضر،
وقلبٍ لا يساوم على الرسالة.
كان قائدًا حين كان القائد ضرورة،
وكان فارسًا مغوارًا
لا يلوّح بالسيف،
بل يعرف متى يُشهره،
ومتى يكفي حضوره ليصمت الضجيج.

اليوم، لا نقف على قبر،
بل على معنى،
ولا نقرأ فاتحة،
بل نُجدّد عهدًا:
أن يبقى الطريق مستقيمًا،
وأن تبقى الراية عالية،
وأن لا يُفرَّط في وصية العظماء.
سلامٌ على من صار فكرة،
وسلامٌ على من صار استمرارًا،
وسلامٌ على مسيرةٍ علّمتنا
أن بعض الرجال لا يُرثَون…
لأنهم يتحوّلون إلى وطنٍ صغير
اسمه: الإنسان.

رحم الله الدكتور أحمد الحوراني،
وجعل روحه في مقامٍ يليق بعظم ما أعطى،
وحفظ الله الدكتور ماهر الحوراني،
وجعله امتداد الضوء للضوء،
فالأسماء الكبيرة لا تموت،
لأنها تخلّف خلفها
من يُكمل الحكاية لا يُكررها.