المومني: الحديث عن تعافٍ كامل في سوريا سابق لأوانه

وكالة الناس –  عقدت جمعية الشؤون الدولية يوم الثلاثاء 30-12-2025 حوارًا سياسيًا موسعًا حول موضوع “الرؤية الإقليمية لعام 2026”، ناقش هذا الموضوع الدكتور حسن المومني، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، بحضور أعضاء الجمعية والضيوف الكرام من أكاديميين وباحثين وخبراء في الشؤون السياسية والإقليمية. جاء هذا الحوار في توقيت بالغ الحساسية، في ظل حالة غير مسبوقة من التحولات الإقليمية والدولية، وتراكم الأزمات المفتوحة التي لم تُحلّ بعد، ما يفرض تساؤلات جوهرية حول شكل الإقليم في عام 2026، وحدود الاستقرار الممكن، وفرص الانتقال من إدارة الصراعات إلى مسارات أكثر عقلانية.

وانطلق النقاش من إشكالية مركزية تتعلق بقدرة الفاعلين السياسيين على التنبؤ بمآلات التحولات الجارية، في وقت تتسم فيه البيئة الدولية والإقليمية بدرجة عالية من عدم اليقين. وأشار الدكتور المومني إلى أن التحولات الكبرى، سواء على مستوى النظام الدولي أو الإقليم، تجعل من الصعب الحديث عن سياسات مستقرة أو سلوكيات يمكن التنبؤ بها، إذ تصبح المفاجآت سمة أساسية من سمات هذه المرحلة. فالشرق الأوسط، تاريخيًا، يعد من أكثر الأقاليم تعقيدًا من حيث التنبؤ، حيث تتداخل الصراعات المزمنة مع حسابات القوى الكبرى، وتُدار الأزمات غالبًا بمنطق إدارة الوقت لا بمنطق الحلول النهائية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور المومني أن معظم صراعات المنطقة عابرة للزمن والأجيال، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تمر بمراحل مختلفة من التصعيد والانحسار دون أن تقترب من حل جذري. وينطبق الأمر ذاته، بدرجات متفاوتة، على الأزمة السورية، التي وصفها بأنها “ملف غير مكتمل” أو unfinished business، رغم التغيرات السياسية التي شهدتها في العام الأخير. فبرغم وجود زخم إقليمي ودولي يدفع باتجاه تثبيت الاستقرار في سوريا، إلا أن الواقع الداخلي لا يزال يعاني من انقسامات جغرافية وسياسية وإثنية، تجعل من الحديث عن تعافٍ كامل مسألة سابقة لأوانها.

وتوقف الحوار مطولًا عند المشهد السوري بوصفه أحد أكثر الملفات تأثيرًا على الأمن الإقليمي والأردني تحديدًا. فقد رأى الدكتور المومني أن هناك توافقًا إقليميًا ودوليًا متزايدًا على ضرورة استقرار سوريا، تقوده دول فاعلة مثل الأردن والسعودية وتركيا، إلى جانب الدور الحاسم للولايات المتحدة. غير أن التحدي الأخطر، وفق تقديره، يتمثل في ملف الشمال الشرقي والقضية الكردية، التي تحمل في طياتها أبعادًا إقليمية معقدة، لا يمكن فصلها عن الحسابات التركية والأمريكية. ومع ذلك، عبّر عن قدر من التفاؤل الحذر بإمكانية تحقيق تقدم تدريجي خلال عام 2026، شريطة الحفاظ على الزخم الدولي وعدم انصراف الاهتمام العالمي إلى أزمات أخرى.

أما القضية الفلسطينية وملف غزة، فقد شكّلا محورًا رئيسيًا في الحوار، حيث وصف الدكتور المومني الواقع الفلسطيني بأنه “رمادي”، يجمع بين نجاحات جزئية وإخفاقات بنيوية عميقة. فمن جهة، جرى تحقيق أهداف محدودة تتعلق بوقف إطلاق النار وتخفيف مستوى العنف، وفتح مسارات إنسانية وسياسية مرحلية. ومن جهة أخرى، لا تزال العقبات الجوهرية قائمة، وفي مقدمتها غياب الإرادة السياسية الإسرائيلية للذهاب نحو حل جذري، في ظل هيمنة اليمين المتطرف، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية التي تجعل من أي تنازلات جوهرية أمرًا غير مرجح.

وأشار الدكتور المومني إلى أن إسرائيل، بعد أحداث السابع من أكتوبر، أعادت ترتيب أولوياتها، واضعة الأمن في مقدمة جدول أعمالها، على حساب أي مسار سياسي حقيقي. وفي المقابل، تواجه حركة حماس معضلة وجودية تتعلق بسلاحها ودورها في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل اشتراطات دولية وإقليمية لنزع السلاح، ومخاوف داخلية تتصل بالحاضنة الشعبية ومستقبل الحكم في غزة. واعتبر أن استمرار حالة “تقليص النزاع” أو Mitigation of Conflict قد يصبح هو السيناريو الأرجح في المدى المنظور، بدلًا من الانتقال إلى حل شامل.

وتناول الحوار أيضًا أزمة القيادة الفلسطينية، حيث أشار الدكتور المومني إلى ضعف السلطة الوطنية الفلسطينية وتراجع دور منظمة التحرير، ما يخلق فراغًا سياسيًا يعقّد أي مسار تفاوضي. وطرح في هذا السياق فكرة الحاجة إلى “تيار ثالث” يمتلك شرعية شعبية وقدرة على توحيد الفلسطينيين، باعتبار أن غياب القيادة القادرة على تسويق السلام داخليًا يعد من أكبر معيقات الحل.

وفي البعد الإقليمي الأوسع، ناقش المشاركون دور الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الفاعل الأكثر تأثيرًا في الإقليم، رغم الحديث المتزايد عن تعددية قطبية وصعود قوى مثل الصين والهند. وأكد الدكتور المومني أن أي إنجاز سياسي في الشرق الأوسط لا يزال مشروطًا باشتباك أمريكي عميق على مستوى الرئاسة، مدعومًا بالكونغرس، محذرًا من مخاطر تراجع هذا الاشتباك نتيجة تطورات دولية أخرى، أو تغير موازين القوى داخل الولايات المتحدة نفسها.

كما تطرق الحوار إلى اليمن وإيران وتركيا، بوصفها ملفات مترابطة تؤثر في المشهد الإقليمي ككل. فرغم تراجع النفوذ الإيراني نسبيًا خلال الفترة الأخيرة، إلا أن إيران، وفق تقدير الدكتور المومني، لن تتخلى بسهولة عن مكتسباتها الإقليمية، بل ستنتهج سياسة “الانتظار والترقب” لإعادة ترتيب أوراقها. أما تركيا، فقد عززت موقعها الإقليمي، خصوصًا في الملف السوري، غير أن هذا الصعود يثير مخاوف من اختلالات جديدة في موازين القوى، تستدعي حذرًا عربيًا في التعاطي معه.

وشهد الحوار مداخلات نقدية مهمة من الحضور، ركزت على الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنعكس مستقبلًا على سياساته، إضافة إلى تساؤلات حول الدور العربي، ولا سيما دور مصر، وحدود الفعل العربي المشترك في ظل تشابك المصالح وتعدد التحالفات. كما طُرحت إشكالية تراجع الثقة بين الدولة والمجتمع في العالم العربي، باعتبارها عاملًا مهددًا لأي رؤية إقليمية مستقرة، مهما بلغت دقة الحسابات الاستراتيجية.

وفي معرض رده على هذه المداخلات، أكد الدكتور المومني أن المنطقة تعيش مرحلة سياسات القوة (Power Politics)، حيث تتحرك الدول وفق مصالحها وقدراتها، لا وفق الشعارات أو العواطف. وشدد على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون بناء دول وطنية قوية، قائمة على مؤسسات فاعلة ومشاركة مجتمعية، معتبرًا أن انهيار الدولة في عدد من الدول العربية هو الجذر الأعمق لحالة الفوضى الإقليمية الراهنة.

وفي ختام الحوار، خلصت النقاشات إلى أن عام 2026 لن يكون عام الحلول النهائية، بقدر ما سيكون عامًا لاستمرار إدارة الأزمات، مع إمكانية تحقيق اختراقات جزئية في بعض الملفات، إذا ما توفرت الظروف الإقليمية والدولية الملائمة. وأكد الدكتور المومني أن التفاؤل الواقعي يقتضي الاعتراف بحدود الممكن، دون الوقوع في فخ التشاؤم المطلق، مشددًا على أهمية الحفاظ على الزخم الإقليمي والدولي، لا سيما الدور الأردني، في الدفع باتجاه الاستقرار وصناعة السلام، ولو بخطوات بطيئة وتدريجية.