إغلاق مضيق هرمز يهدد بأزمة غذاء عالمية حادة
وكالة الناس – يواجه العالم بأكمله أزمةً غذائيةً حادةً في حال استمر إغلاق مضيق هرمز المطل على الخليج العربي لفترة طويلة، وذلك بعدما تبين أن كميات ضخمة من الأسمدة والمواد الزراعية تمر إلى العالم عبر هذا المضيق، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بصورة حادة، فيما أصبحت مفقودةً بالنسبة لبعض المزارعين وبعض الأسواق بالتزامن مع بدء الموسم الزراعي السنوي.
وقال تقرير نشرته جريدة “فايننشال تايمز” البريطانية، إن اهتمام العالم انصب على تدفقات النفط فقط منذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز، وهو ممر ملاحي حيوي عبر الخليج العربي، إلا أن التهديد للأمن الغذائي قد يكون بنفس القدر من الخطورة.
ويقول مايكل ويرز، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، وهو مركز أبحاث أميركي مستقل وغير حزبي تأسس عام 1921 “يمكنك العيش بدون ثلاجتك أو سيارتك لفترة من الوقت، لكن لا يمكنك العيش بدون المواد الغذائية الأساسية”.
ويقول الخبراء إن تأثير الحرب الإيرانية على النظام الغذائي العالمي قد يكون أكبر من الأزمة التي أثارها الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وهو ما يمثل مصدر قلق بالغ للدول الأفقر في العالم، إذ كلما طال أمد الصراع ازدادت حدة الصدمة الغذائية وزاد عدد المتضررين.
وتشير “فايننشال تايمز” إلى أن الخليج العربي يُعد مركزاً لأسواق الأسمدة العالمية، وقد توقف إنتاجه وتعطلت شحناته بسبب هذه الحرب، مما قلص الإمدادات ورفع الأسعار العالمية، فيما تعتمد دول كثيرة على الغاز القادم من المنطقة لتصنيع الأسمدة.
وتؤدي أسعار الوقود والكهرباء المرتفعة بالفعل إلى زيادة تكلفة نقل الأغذية ومعالجتها وطهيها، حيث بدأ هذا الاضطراب يؤثر فعلياً. ففي أنحاء آسيا وأفريقيا أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، وتعاني دول مثل كينيا والصومال وتنزانيا والسودان من هذه الزيادة لاعتمادها على الأسمدة المنقولة بحراً. وفي الصومال ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنحو 20% منذ بدء النزاع، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.
ويؤكد التقرير أن مناطق أخرى من العالم تستعد لانخفاض محاصيلها في حال استمرار النزاع، فيما تعتمد دول جنوب آسيا مثل الهند وباكستان وبنغلاديش على الغاز المستورد من الخليج لإنتاج مغذيات المحاصيل.
وتقدر ستيفاني روث، من شركة “وولف ريسيرش” للاستشارات الاقتصادية، أنه حتى لو تم احتواء النزاع خلال أسابيع، فإن انقطاع إمدادات الأسمدة سيرفع معدل التضخم الغذائي في الولايات المتحدة من نحو 2% إلى 4% سنوياً، محذرةً من أنه إذا امتد القتال إلى الصيف فقد تصل الزيادة إلى خانة العشرات.
ويشير ذلك إلى صدمة غذائية قد تظهر بوتيرة أبطأ مقارنة بعام 2022، لكنها قد تكون أشد وطأة إذا طال أمد النزاع، بحسب المحللين. وقال كريس لوسون من مركز أبحاث وبيانات السلع الأساسية “CRU” “الوضع ينذر بتفاقم كبير”، مشيراً إلى أن أزمة 2022 كانت مرتبطة بالعقوبات واللوجستيات، بينما الأزمة الحالية تتعلق بقيود مادية مباشرة.
وبحسب الأمم المتحدة، قد يواجه نحو 45 مليون شخص إضافي في الدول الفقيرة انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بحلول يونيو حزيران، إضافة إلى 318 مليون شخص يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي.
ويقول روث “يبدو أن هذا خطر يُستهان به كثيراً، إذ لا أحد يتحدث عنه بجدية لانشغالهم بالطاقة”.
ويضيف التقرير أن الضربة الأكبر للنظام الغذائي العالمي ستأتي لاحقاً عبر أسواق الأسمدة، حيث تعتمد الزراعة الحديثة على ثلاثة عناصر رئيسية هي النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، إذ تُنتج الأسمدة النيتروجينية من الغاز الطبيعي، بينما يعتمد الفوسفور على الكبريت الناتج عن تكرير النفط والغاز.
وبحسب شركة “CRU”، فإن 43% من تجارة اليوريا العالمية معرضة للخطر بسبب الصراع في الشرق الأوسط، كما يُشحن نحو 45% من صادرات الكبريت العالمية عبر مضيق هرمز.
وقالت ألزبيتا كلاين، رئيسة الرابطة الدولية للأسمدة “نواجه صدمة هيكلية في قطاع الغذاء العالمي، حيث تأثر اثنان من العناصر الغذائية الثلاثة بشكل مباشر، بالإضافة إلى تأثير ثالث من خلال الغاز الطبيعي”.
وإلى جانب التأثير على صادرات الخليج، يتراجع إنتاج الأسمدة في مناطق أخرى، حيث تواجه الدول ارتفاعاً حاداً في أسعار الغاز ونقصاً في الإمدادات. وخفضت الجزائر إمدادات الغاز إلى مصانع الأسمدة بنحو 50% هذا الأسبوع، فيما توقف مصنع واحد على الأقل في سلوفاكيا عن الإنتاج.
وتتحمل دول جنوب آسيا العبء الأكبر، إذ تعتمد على الغاز الطبيعي المسال من الخليج، ففي الهند يتم استيراد نحو ثلث احتياجات الأسمدة، بينما يعتمد إنتاجها المحلي على الغاز المستورد، الذي يأتي نحو 40% منه من قطر، إضافة إلى استيراد الفوسفات والبوتاس والكبريت.
وتشير دراسة أجراها بيتر ألكسندر في جامعة إدنبرة إلى أنه في حال ارتفاع أسعار الأسمدة من نحو 300 إلى 350 دولاراً للطن إلى ما بين 900 و1000 دولار واستمرارها عند هذه المستويات، فقد ترتفع أسعار الغذاء العالمية بنسبة تتراوح بين 60% و100%، مما قد يدفع نحو 100 مليون شخص إضافي إلى سوء التغذية.
ويرى المحللون أن احتواء هذه التداعيات يتطلب من الحكومات التحرك سريعاً وبنهج مختلف عن الأزمات السابقة.
