ميلاد جلالة الملك … مسيرة قيادة وثبات دولة ومسؤولية وطنية
كتب: محمد الزعبي
ليس الرابع والستون من عمر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم رقمًا يُضاف إلى سيرة، ولا محطة احتفالية تُستكمل بخطابٍ عابر، بل لحظة تأملٍ عميق في تجربة قيادةٍ تشكّلت على نار الجغرافيا، وصقلت وعيها في مدرسة الدولة، لا في ترف الشعارات حيث إننا لا نحتفي بعمرٍ زمني، بل بتراكم وعيٍ سياسي وإنساني نادر، وبقائدٍ أدرك باكرًا أن الحكم ليس امتيازًا، بل امتحانٌ يومي في الصبر، والاختيار، وتحمل كلفة القرار.
منذ اللحظة الأولى، اختار جلالة الملك أن يكون ابن الدولة لا سليل العرش فقط؛ أن يحكم بمنطق المؤسسة، وأن يقود الأردن باعتباره فكرة أخلاقية قبل أن يكون كيانًا سياسيًا ولذلك، لم يكن حضوره قائمًا على الاستعراض، بل على إدارة التوازنات الدقيقة بين الداخل المتطلّع للإصلاح، والخارج المزدحم بالأزمات، وبين الثوابت التي لا تُمسّ، والمرونة التي تفرضها حركة الزمن.
في عالمٍ يتغيّر بعنف، وتتآكل فيه الدول من داخلها قبل أن تُهدد من خارجها، حافظ الأردن، بقيادة جلالة الملك، على معادلة نادرة حيث دولة ثابتة دون أن تكون جامدة، منفتحة دون أن تفقد هويتها، صلبة في السيادة، عاقلة في السياسة حيث لم يكن هذا نتاج مصادفة، بل حصيلة عقلٍ استراتيجي يعرف أن الاستقرار ليس شعارًا، بل عملية معقدة تتطلب صبرًا وصدقًا وقرارات غير شعبوية في كثير من الأحيان.
جلالة الملك لم يقدّم الإصلاح بوصفه قفزة في الفراغ، بل مسارًا تاريخيًا تراكميًا، تُبنى فيه الثقة قبل القوانين، وتُصان فيه الدولة قبل أن تُختبر حيث كان يدرك أن المجتمعات لا تُدار بالعواطف، وأن الشعوب لا تُخدع طويلًا بالشعارات، لذلك اختار أن يكون الإصلاح صعبًا لكنه حقيقي، بطيئًا لكنه متماسك، ومحميًا بسقف الدولة لا مهددًا لها.
وفي السياسة الخارجية، لم يكن الأردن في عهد جلالته دولة على هامش الحدث، بل دولة موقف حيث موقف لا يعلو صوته، لكنه لا يتراجع وموقف يعرف كيف يقول “لا” حين تصبح “نعم” تنازلًا عن الكرامة، ويعرف كيف يمد اليد حين يكون السلام العادل ممكنًا حيث ظلّ الأردن، بقيادته، مساحة عقل في إقليمٍ مثقل بالانفعالات، ومرجعية اتزان حين اختلطت البوصلة لدى كثيرين.
أما فلسطين، فليست في خطاب جلالة الملك قضية ظرفية أو ورقة تفاوض، بل جوهر موقف أخلاقي وتاريخي لا يقبل المساومة حيث الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لم تكن يومًا عنوانًا رمزيًا، بل مسؤولية تُحمل بوعيٍ تاريخي، وتُدافع عنها السياسة والقانون والدبلوماسية الأردنية في أصعب اللحظات وأكثرها كلفة حيث تعامل جلالته مع القدس بوصفها اختبار ضمير للأمة، لا بندًا في بيان.
وفي الداخل، ظلّ الجيش العربي والأجهزة الأمنية في قلب المعادلة الوطنية، لا كأدوات قوة فحسب، بل كعقيدة انتماء حيث جيش لا يُستدعى للاستعراض، بل للحماية وأمن لا يُمارس السلطة، بل يحرس الاستقرار فعلاقة جلالته بهذه المؤسسات لم تُبنَ على المسافة، بل على الثقة المتبادلة، وعلى إيمانٍ راسخ بأن الوطن لا يُحمى إلا برجالٍ يؤمنون به قبل أن ينفذوا أوامره.
ولعلّ ما يميّز تجربة جلالة الملك أكثر من غيرها، هو هذا الحضور الإنساني الهادئ؛ ذاك القائد الذي يستمع قبل أن يتكلم، ويُدرك أن وجع الناس ليس مادة خطاب، بل مسؤولية حكم حيث لم يُخاطب الأردنيين من علياء السلطة، بل من موقع الشريك في القلق والأمل، مدركًا أن الثقة لا تُفرض، بل تُبنى، وأن احترام الناس لا يُشترى، بل يُكتسب.
في عيد ميلاده الرابع والستين، نقف أمام تجربة قيادةٍ لم تُختصر في إنجازٍ واحد، ولا في خطابٍ واحد، بل في مسارٍ كامل من التوازن الصعب، والقرار المحسوب، والإيمان العميق بأن هذا الوطن يستحق أن يُدار بعقلٍ بارد وقلبٍ حي.
كل عام وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بألف خير،
قائدًا لم يقِس الزمن بعدد السنوات، بل بعمق الأثر وبثبات الدولة وبقدرتها على البقاء واقفة، حين انحنت كثير من الدول.
