حكمة والدتي في ليالي الشتاء
كتب: يوسف الطورة
طفلاً كنت، اقسم ذات يوم كنت طفلاً، في ليالي الشتاء الباردة كانت أمي تطعم أحلامي “حكمتها”، وتقول: في مدن العبث، إن كان ثمن العبور إلى واديهم المقدس خلع روحك على بواباتهم، وارتداء روح لا تشبهك، فلا تدخل، فالناجون قلة.
في المدن الكاذبة، لا تدخلها مشياً، اهرب ما استطعت فيها سبيلا، وتدثر في حروفك عن حروف التيه، متعبون من كل هذه الوجوه، حتى من أشاحوا بوجوههم من الظلم، ومن يتردد على ألسنتهم مزاعم الحقوق والمساواة، يمارسون المحرمات عندما تتهيأ الفرص، تقول والدتي: نعرفهم جيداً.
في مدن التيه، ثمة نشيد للجائعين يرتلون سورة “الفقر” اكثره وجعا في الشتاء، لا يغني من البرد ولا يشبع من الدفء، استذكر معها كيف احالتني والدتي في عامي الأول إلى الشاي كعاطل عن العمل في مقهى، لأدمن لاحقا الخبز المبلول بالشاي.
في مدن الفقر، الملايين تحت خط الفقر، والبقية تقاسموا الوظائف والمناصب والمكاسب والعطاءات وما ملكت ايمانهم، ومنحوا البقية كل البقية وظيفة حب الوطن، والموت من أجل الوطن، لعبة غير عدلة.
في المدن المتعبة تختلط الحقيقة عن إبرة في كومة قش، أو كقشة في كومة إبر، الثابت فيها أن الحقيقة التي لم تمنح كوخ الفقير باباً كيف لها أن تعطي جوعه خبزا؟.
تبدأ مشاكل الوجود حين تبدأ الأشياء تمل اسماءها، لم امل كلمة مثقف إلا حين وجدتها تتصدر الصحف الرسمية، ولا امقت كلمة “حقيقة” إلا حين يتم تداولها على ألسنتهم.
في صراع بحث الحقيقة، فتحت كل الاذرع بمثابة جسر، وفي لحظات السهو عبر فوقنا اللصوص والاعراب واللوطيون والمخصيون.
في انشغال الفلاسفة في خصام الوجود، أيهما أول وأيهما ثان، لا يجوز لعلم الكلام أن يتحدث عن العدل، قبل ان يتكلم أولاً وأخيراً عن ظلم الوجود.
في المدن الجائعة ليس هنا أيام لمفهوم العدل، هنالك فقط قرون لمفهوم الظلم، في المدن المتعبة أهلها لا فرق بين قافلة الجمال، وعاصفة الرمال، بين عطش الصحرا، وبخل الماء.
في سنوات التيه مخطئ من يظن تنجو بذات الطريق قافلة ابي سفيان مرتين، الثابت في الحقيقة سيطول وقوف التعساء أمام الله، يعدون بؤس البشرية، يريدون تبريراً لها.
