أقليم الشرق الاوسط بين مشروع التنمية الشامل ومشروع الدمار الشامل
وكالة الناس -الباحث لافي العمارين
جاءت حرب غزة إيذاناً ببدء مرحلة تمحيص المواقف والاستراتيجيات الدولية في منطقة الشرق الأوسط، فبين الإرادات المنفردة والإرادات للدول بلورت حرب غزة أبعادها الحقيقية بعيداً عن الابعاد التقليدية للحروب، فقد بدأت تتجلى الابعاد الاستراتيجية الإقليمية والدولية في مواقف الدول على شكل اصطفاف دولي كصراع بين الخير والشر، فلم تعد مواقف الدول الرسمية المنفردة تعبر عن ارادتها بقدر ما تنسجم هذه المواقف مع السياق الدولي العام ضمن الفكر الاستراتيجي المستقبلي لمنطقة الشرق الاوسط، لقد بدأ الصراع يتجلى في إطارة الدولي بين مشروع التمية الشامل ومشروع الدمار الشامل بين الاستراتيجيات الدولية في منطقة الشرق الاوسط 0
منذ انطلاق حرب غزة بدأ للعلن تبلور مشروع البناء الشامل والذي في جوهرة يقوم على التعاون بين الدول وخفض التصعيد في الاقليم ومواجهة حالة انعدام الامن والاستقرار وتوطيد العلاقات بشتى مجالاتها بين دول اقليم الشرق الاوسط، شهدنا ذلك من خلال مواقف الدول العربية المعتدلة وبعض دول الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا في عملية التصويت على قرارات مجلس الامن الدولي المتعلق بحرب غزة والتي تصب في مصلحة حقن الدماء وإنهاء الحرب 0
أن هذه الدول ذاتها التي تنادي بحل الدولتين وإنهاء الصراع العربي الاسرائيلي، وتسعى فيما بينها الى تأطير علاقاتها في إطار تنموي، هذا التيار يرى في القوة فاعل رئيسي في التصعيد وإسهام في نشر الفوضى، وتسعى دول هذا الاتجاه الى طرح المبادرات والوساطات كنهج لإنهاء الحروب والخلافات الاقليمية، ونذكر بأن الدول العربية المعتدلة سارعت الى طرح المبادرة العربية بين اطراف الحرب الروسية الاوكرانية، وهي ذاتها التي سارعت الى تقديم ما تجود به من المساعدات بشتى الطرق الى أبناء الشعب الفلسطيني 0
على عكس مشروع التنمية الشامل ذهب مشروع الدمار الشامل الى بناء فكرة الاستراتيجي على مبدأ استخدام القوة وإشاعة الفوضى وإثارة ما يؤجج الصراعات ، فدول هذا الاتجاه ترى في هذه الاستراتيجيات الطريقة المثلى لمنحها السيادة الاقليمية والدولية وخدمة لمشاريعها التوسعية في إقليم الشرق الاوسط، لقد اخذت كل من اسرائيل وايران هذا المشروع على عاتقها، فهي لم تجد بداً من سلوك هذا النهج في سبيل تحقيق اهدافها الاستراتيجية في المنطقة ، وفي اطار تكاملية هذا المشروع ذهبت ايران الى التغلغل عبر الطوائف الدينية للدول المجاورة وازكاء الخلافات العقائدية بين شعب الدولة الواحدة ، واللعب على وتر الخلافات السياسية الداخلية، وتجنيد ابناء هذه الدول للقيام بما يجب ان تقوم به على ارضها ، وتبني مشروعها الزائف في مواجهة الغرب بمبررات المقاومة والدفاع عن البلاد الاسلامية، لم تقدم المساعدات بل تسارع لتقديم سلاح القتل وتعمل على تحفيز الاعمال العدائية بما يتوافق مع أجندتها الاستراتيجية في المنطقة 0
في تكاملية هذا المشروع عُهد الى اسرائيل استخدام القوة، والسعي الدائم لامتلاك عناصر القوة المتفوقة في الإقليم، فقد تمحورت رؤيتها لمستقبل بقائها على المحافظة على عدم امتلاك نظرائها واعدائها لقوة توازي ما تمتلكه من قوة عسكرية ، وعكفت على استخدام ألتها العسكرية في فرض سيطرتها على ما احتلته من اراضي فلسطينية ، وتنتهج كل ما يؤدي الى دمار البنية التحتية والمنشآت المدنية الصحية والانسانية ، وعلى الصعيد الدولي فهي تضرب القرارات الدولية بعرض الحائط دون وازع اخلاقي أو أنساني، فهي تنظر الى من يعارض سياساتها دوليا بوصفة عدوا لها مما تسبب في عزلتها الدولية المتنامية 0
نعم أنه الكيان الصهيوني الذي يحاول اظهار نفسها الدولة المستضعفة في محيطة، ويدعي الدفاع عن النفس لتبرير جرائمه التي تجاوزت حد الوصف، الكيان الذي يقفز على القوانين والاعراف الدولية ، والذي يقتنص ما تنصبه الاستراتيجية الايرانية من أهداف فكلاهما مشروع دمار ينطلق من نظرة قومية فارسية ويهودية، يوجد في قاموس كل منهما وجود للعالم مجاور إقليميا ودوليا 0
أن كلا المشروعين يعيشا حالة صراع خفي منذ أمد بعيد، بدأت تلوح معالمه في الافق، فحرب غزة باتت المؤشر الذي لا شك فيه على صراع بين مشروع دمار دمائه عربية وأهدافه استعمارية ومشروع بناء يسعى لسلام دائم يضمن رفاهية الشعوب، وبين ذا وذاك ينتظر الطرف الثالث أيان مجراها وأيان مرساها، فالعلاقات الدولية تحكمها مصالح وطنية، لا يهم دول هذا الطرف من المنتصر ومن الخاسر، فاستراتيجيتها تنتظر المكاسب من غلبة أحد المشروعين 0
