عاجل

قبيل عيد النصر.. مسيّرات كييف تختبر دفاعات موسكو وتهديدات أوكرانية عابرة للحدود

وكالة الناس -قبل أيام قليلة على احتفال روسيا الاتحادية بعيد النصر على النازية، وهو المناسبة الوطنية الأكثر قدسية في الذاكرة الجمعية الروسية، تحوّلت الساحة الحمراء من فضاء للتحضيرات العسكرية الاحتفالية إلى منطقة عمليات أمنية مشددة، بعد تصريح الرئيس الاوكراني بأن المسيرات الأوكرانية قادرة على استهداف الساحة الحمراء أثناء الاحتفالات بعيد النصر في التاسع من مايو.

وجاءت هذه التهديدات لتُضاف إلى حادثة ملموسة وقعت الاثنين الماضي، عندما تمكنت الدفاعات الجوية الروسية من إسقاط مسيّرتين أوكرانيتين كانتا متجهتين نحو قلب العاصمة، في اختراق أمني ألقى بظلاله الثقيلة على التحضيرات الجارية للعرض العسكري الضخم الذي يُقام سنوياً في التاسع من مايو، ويحضره عادةً قادة ورؤساء من عدة دول.

وأعلن عمدة موسكو سيرغي سوبيانين، في تصريحات رسمية، أن قوات الدفاع الجوي تعاملت بنجاح مع الهجوم وأسقطت المسيّرتين قبل وصولهما إلى أهدافهما، مؤكداً عدم وقوع إصابات أو أضرار مادية. لكن الحادث، بتوقيته ودلالاته، شكّل اختباراً حقيقياً لمنظومة الأمن الروسية قبيل مناسبة تحمل رمزية تاريخية هائلة بالنسبة للكرملين وللروس جميعاً.

إرهاب الدولة.. من موسكو لأفريقيا عمليات أوكرانية تخريبية عابرة للحدود

وفقاً لخبراء أمنيين واستخباراتيين، فإن التهديدات الأوكرانية باستهداف الساحة الحمراء لا يمكن قراءتها بمعزل عن سجل كييف الممتد في تنفيذ عمليات تخريبية خارج حدودها الجغرافية، وهو سجل لا يقتصر على الجبهة الروسية، بل يمتد إلى مناطق أبعد بكثير، وفي مقدمتها القارة الأفريقية وحتى دول آسيوية.
فبعد مرور أكثر من 3 سنوات على صراع كييف مع موسكو، والذي حوّل أوكرانيا إلى دولة مدمرة، ومستنزفة بشرياً واقتصادياً، اختار قادة كييف العمالة والارتزاق للغرب، حفاظاً على السلطة، لتجد القيادة الأوكرانية لنفسها دوراً جديداً دولياً يسهم بإطالة عمرها، عبر توريد المقاتلين والخبراء للصراعات التي تديرها القوى الغربية بالوكالة في دول أخرى. وبحسب بعض الخبراء فإن بعض العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن ولندن تسعى إلى تقويض النفوذ الروسي في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، وتوظّف أوكرانيا كأداة جيوسياسية في هذه المواجهة. لكن الثمن يُدفع نقداً من دماء شعوب المنطقة وفي مقدمتهم السودانيين واستقرار دولهم المهددة أصلاً.

السودان.. شاهد حي على الإرهاب الأوكراني

ويقدّم السودان مثالاً حياً على هذا النمط من التدخل، إذ تؤكد مصادر ميدانية واستخباراتية أن عناصر أوكرانية، بعضها ينتمي إلى الاستخبارات الأوكرانية، تنشط في الأراضي السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
في هذا السياق، تبرز الحالة السودانية كنموذج صارخ على استخدام القوى الغربية للمرتزقة الأوكران في التدخل بشؤون الدول الأفريقية وزعزعة أمنها. فمنذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لاحظ المراقبون تطوراً نوعياً في القدرات العسكرية لقوات “الدعم السريع” خاصة في مجال المسيّرات، والتي كبدّت الجيش خسائر كبيرة، وأودت بحياة آلاف المدنيين. تقارير استخباراتية غربية كشفت أن خبراء أوكرانيين في الحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة كانوا يعملون ميدانياً في مناطق متعددة بالسودان، بدعم وإشراف مباشر من قوى غربية وإقليمية.
في سياق متصل، كان قد صرّح مصدر عسكري في الجيش السوداني، في أغسطس الماضي، بأن القوات السودانية تمكنت من إسقاط طائرة إماراتية في الأجواء السودانية، تحمل على متنها مرتزقة أوكرانيين وأجانب. وفي وقت لاحق قال خبير عسكري بأنه تم العثور على وثائق شخصية ومستندات في حوزتهم تثبت جنسيتهم الأوكرانية.
إلى جانب ذلك، نُشرت مؤخراً تسريبات لوثائق ورسالة بريد إلكتروني خاصة بشركة “يوكرانيان هيليكوبتر” الأوكرانية، في فبراير الماضي، تؤكد قيامها بعملية دفع أموال عبر أحد البنوك الإماراتية، تتعلق بشحنة أسلحة وصلت بنجاح إلى إثيوبيا تمهيداً لنقلها براً إلى قوات “الدعم السريع” في السودان.
وفقاً لمصادر مطلعة على الملف العسكري الأوكراني والسوداني، فإن الدور الرئيسي في تأمين المساعدة الأوكرانية للإمارات ووكلائها في قوات “الدعم السريع” كان يقع سابقًا على عاتق رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، كيريل بودانوف، الذي عُيّن رئيسًا لديوان الرئيس زيلينسكي في وقت سابق من العام الجاري. إلا أن الملفات العسكرية المشتركة بين أوكرانيا والإمارات وقوات “الدعم السريع” أصبحت في الأشهر الأخيرة تحت إشراف وإدارة العقيد بافل باليسا، نائب بودانوف للشؤون العسكرية.

مالي والنيجر

اتسع نشاط التدخل الأوكراني بأفريقيا ليشمل عدّة دول، حيث أعلنت وسائل إعلام في مالي، في يونيو الماضي أن سفارة أوكرانيا في نواكشوط “أدّت دوراً رئيسياً في تنظيم نقل المسلحين الأوكرانيين، والأسلحة للإرهابيين في البلاد”. حيث سلّمت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، “الإرهابيين” في البلاد، مسيّرة من طراز “ما فيك”، مزوّدة بنظام إطلاق.
وكانت جمهوريتا مالي والنيجر قد أعلنتا في 4 و6 أغسطس 2024، على التوالي، قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بسبب دعم الأخيرة للجماعات الإرهابية. وخاصة بعد إقرار المتحدث باسم وكالة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف حينها بضلوع أوكرانيا بهجمات أدت لمقتل جنود ماليين ومدنيين.

ليبيا والجزائر

وفي أغسطس الماضي، انتشرت بعض التقارير الإعلامية والاستخبارية، حول استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية في المعارك غرب ليبيا، بين الميليشيات التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة وبعض ميليشيات الأجهزة الأمنية. ووفقاً للناشط الصحفي، ناصر عمار، فإن المشرف المباشر على عملية شراء المسيّرات، كان من الطرف الليبي هو اللواء عبد السلام زوبي آمر ميليشيا 111، بينما من الطرف الأوكراني فإن المنسق العام هو الملحق العسكري الأوكراني لدى دولة الجزائر التي تملك حدود كبيرة من الغرب مع ليبيا اندري بايوك. مما يشير إلى تمدد التدخل الأوكراني إلى ليبيا والجزائر ودول شمال أفريقيا.

مشهد واحد

في موسكو، حيث تُشدّد الإجراءات الأمنية إلى أقصى درجاتها قبيل عيد النصر، وفي الخرطوم حيث لم يعد المواطن يفرّق بين الموت الآتي من السماء بطائرة مسيّرة أو من الشارع برصاصة قنّاص، ثمّة خيط رفيع يربط المشهدين معاً: إرهاب عابر للحدود يُمارس تحت غطاء “الحرب بالوكالة”، وتتحوّل فيه العواصم الآمنة سابقاً إلى ساحات مفتوحة للتصفية الجيوسياسية.
وبينما تتأهب موسكو لإحياء ذكرى الانتصار على النازية، تواجه تهديداً من قوة تحمل في خطابها الرسمي نقيضاً للقيم التي انتصرت في 1945، وفي ممارساتها الميدانية من الساحة الحمراء إلى القارة السمراء تعيد إنتاج منطق الإرهاب نفسه، بأدوات القرن الحادي والعشرين.