عاجل

أعمال عنف في قبرص ضد المهاجرين.. “نريد إكمال حياتنا دون مشاكل”

 

الحذر والخوف يطغيان على إفادات مهاجرين من عاملين وأصحاب محلات تجارية، تعرضوا لهجوم عنيف من قبل متظاهرين مناهضين للأجانب واللاجئين في مدينة ليماسول جنوب غرب جزيرة قبرص اليونانية مطلع الشهر الجاري، مؤكدين سعيهم لإكمال “حياة طبيعية بعيدا عن المشاكل”، في وصف تكرر على ألسنة الأشخاص الذين التقى بهم فريق مهاجرنيوز.

 دانا البوز، موفدة خاصة إلى جزيرة قبرص

مشهد يبدو اعتياديا، مارّة وسياح في شارع عريض يحتضن على جانبه الأيمن عشرات المطاعم والمحلات التجارية وصالونات الحلاقة، وعلى الطرف المقابل تطغي زرقة مياه البحر المتوسط الذي يحيط جزيرة قبرص بشطريها اليوناني والتركي

في مطعم مختص بتقديم أطباق متوسطية، تنظم شابة طاولات شرفة خارجية تزينها نباتات في أحواض حجرية تحطمت أطرافها، فيما يبدو طارق* منهمكا بتحضير اللحم والخضار، خلف باب زجاجي ذو فتحات محاطة بغلاف بلاستيكي شفاف ونوافذ كُسر بعضها، قبل أن يبدأ الزبائن بالتوافد لتناول العشاء، كما اعتاد الشاب السوري الذي يعمل في هذا المطعم منذ مجيئه إلى مدينة ليماسول قبل خمس سنوات.

مدينة ليماسول، جنوب غرب جزيرة قبرص اليونانية. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
مدينة ليماسول، جنوب غرب جزيرة قبرص اليونانية. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز

 

النيران كانت على وشك أن تلتهم المكان

يُخرج طارق البطاطس من الزيت، بينما يشير بيده إلى الجدار المقابل “قمنا بإعادة الطلاء، لكن لا تزال هناك تصليحات لإزالة آثار الحريق وتبديل زجاج النوافذ والأبواب”، بعد أن استهدف محتجون محلات تديرها جاليات عربية وأجنبية في مظاهرة عنيفة شارك فيها حوالي 300 شخص، حملت شعار “اللاجئون غير مرحب بهم”، مطلع شهر أيلول/سبتمبر الجاري.

يروي الشاب الثلاثيني تفاصيل تلك الليلة، “بعد ظهر يوم الجمعة، علمنا بخروج مظاهرة، واحتراما لتعليمات الشرطة قررنا كما غيرنا من المحلات المجاورة، إغلاق المطعم والخروج منه، لكن حوالي الساعة التاسعة مساء عدت أنا وصاحب المكان بعد أن تلقينا اتصالا لتحذيرنا من نيران كانت على وشك أن تلتهم المكان، وبالفعل، عند وصولي كان الدخان يملأ الصالة”.

اشتعلت النيران في المكان بعد أن اقتحم متظاهرون المطعم وكسروا زجاج النوافذ لرمي قنابل المولوتوف الحارقة (وهي سلاح يُصنّع منزليا، يتكون من زجاجة مملوءة بسائل سريع الاشتعال وقماش)، وبعد دقائق قليلة “تدخلت فرق الإطفاء لإخماد الحريق وأخرجوا من الصالة أربع قنابل مولوتوف رُميت إلى الداخل”.

آثار الحريق الذي استهدف مطعما يقدم أطباق متوسطية في مدينة ليماسول. الصورة: دانا البوز
آثار الحريق الذي استهدف مطعما يقدم أطباق متوسطية في مدينة ليماسول. الصورة: دانا البوز

وبرواية مماثلة يروي الرجل محمد الذي يدير مطعم “كايرو فود” (طعام القاهرة) رعب ما شهده تلك الليلة بعد أن أغلق مطعمه واختبأ في الخلف، فيما رمى متظاهرون ملثمون قنابل مولوتوف أحرقت صالته الداخلية، “لحسن الحظ، لم تصل النيران إلى عبوات الغاز في المطبخ”.

اقرأ ايضا :

تلك المرة الأولى التي يشهد فيها طارق على عنف مماثل، فيما يقول محمد “منذ وصولي إلى هنا وأبتعد عن المشاكل، ولم نواجه سابقا حوادث مشابهة. حتى أنه لم يكن لدينا نظام مراقبة”، يكمل الشاب حديثه حريصا على التأكيد بأن “كل شيء سيكون على ما يرام”، لكنه أومأ برأسه مشيرا إلى الخارج قائلا “بعد ما حدث، قرر صاحب العمل تركيب كاميرات مراقبة”.

يعترف اللاجئ السوري الذي يعيش في قبرص منذ خمس سنوات، بأنه شعر بالخوف لكنه يتحدث باختصار عما شهده منتقيا كلماته بحذر “كل ما نريده هو أن نكمل حياتنا بسلام، وحدث ما حدث”.

“المهم أن نكمل حياتنا بشكل طبيعي”

على بعد أمتار قليلة من المطعم، تملأ التصدعات زجاج واجهة صالون حلاقة مجاور، وتتوسطها فوهة رميت منها زجاجة المولوتوف، لكن الشاب السوري الذي يدير الصالون لم يرد الكشف عن اسمه أو السماح بأخذ صور له أو لمحله، فهو “لا يبحث عن مشاكل هنا”، وكأنه يريد أن يمحي ما حصل، قائلا “خير الكلام ما قلّ ودلّ”.

أحد المطاعم التي تضررت بعد استهدافها في المظاهرات العنيفة المناهضة للاجئين في مدينة ليماسول جنوب غرب جزيرة قبرص. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز

تعرض محل الشاب لأضرار عديدة، بعد أن اشتعلت النيران في المكان وأحرقت معدات ومقاعد الحلاقة، “تكبدنا خسارة بحوالي أربعة آلاف يورو”، يقول الشاب باختصار، مضيفا “ما الفائدة من كل هذا الحديث؟ المهم أن نكمل حياتنا بشكل طبيعي”.

الكثير من سكان مدينة ليماسول القبرصية يشعرون بالـ”صدمة” حيال ما حدث، ما دفعهم للخروج بعد أيام قليلة في مسيرات عبروا فيها عن تضامنهم مع اللاجئين، الأمر الذي جعل الشاب يشعر بنوع من الارتياح، “القبارصة يعرفون جيدا بأننا مكوّن هام في المجتمع”.

إكمال “الحياة الطبيعية” كان أيضا ما يهم صاحب صالون حلاقة مجاور، الذي بدأ وأنهى أعمال التصليح “بأسرع ما يمكن”، حسبما أكد أحد الشباب السوريين العاملين هناك، مضيفا “لسنا هنا لافتعال المشاكل”.

ورغم المحاولات المتكررة لتواصل فريق مهاجرنيوز مع السلطات المحلية في ليماسول، احتفظت المحافظة بصمتها تجاه الأسئلة الموجهة لها. وكانت الشرطة اعتقلت في اليوم التالي 13 شخصا من المشاركين في المظاهرة العنيفة، التي تخللها أيضا اعتداءات جسدية على شباب من سوريا وآسيا وأفريقيا.

“عنف سياسي موجه ضد المهاجرين”

البروفسور وعالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة قبرص يانيس باباداكيس، كان شاهدا على أعمال العنف من شرفة منزله، منتقدا عدم تحرك الشرطة “التي كانت على بعد حوالي 150 مترا من المتظاهرين، فيما اكتفت بمشاهدتهم وهم يشعلون النار ويلحقون أضرارا بمحلات يديرها مهاجرون”، معتبرا أن ما حدث يمكن تصنيفه “كأحد أخطر حوادث العنف السياسي الموجه ضد المهاجرين في قبرص”.

يتحدث باباداكيس عن عنصرية متزايدة وخطاب كراهية تغلغل في المجتمع القبرصي على مدى الأعوام الماضية، لا سيما مع الحكومة السابقة التي لطالما وصفت المهاجرين بأنهم “سلاح تستخدمه تركيا العدو ضد قبرص اليونانية”. وبعد الانتخابات الأخيرة وتسلم يمين الوسط السلطة في البلاد في شباط/فبراير الماضي، “لا نزال نترقب كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع اللاجئين، لكن من المؤسف أنها لم تسمّ الأمور بمسمياتها وتجنبت وصف ما حدث بأنه حدث عنصري منظّم من قبل اليمين المتطرف، بل اكتفت بالقول بأنها مجرد مشاكل”.

الخط الحدودي الذي يفصل الشطر التركي عن باقي جزيرة قبرص اليونانية. الصورة: دانا البوز
الخط الحدودي الذي يفصل الشطر التركي عن باقي جزيرة قبرص اليونانية. الصورة: دانا البوز

طالب لجوء سوري كان أيضا شاهدا على ما حدث من منزله واصفا بأن ما رآه، عنفٌ أعاد له ذكريات الحرب في سوريا، “نشعر بالخوف طبعا لكن ما باليد حيلة، وأنا كغيري باتت تقتصر حياتنا على الذهاب إلى العمل والعودة إلى المنزل.. على كل حال، نحن مرفوضون من الجميع”، قبل أن يضيف بابتسامة ساخرة “احترنا إلى أين سنذهب”.

أزمة سكن

الأحداث الأخيرة لم “تأت من العدم”، حسب وصف باباداكيس، بل هي تطور للعنف الذي بدأ في مدينة بافوس المجاورة لقرية كلوراكاس حيث كان يعيش حوالي 600 مهاجر في مجمع سكني مهجور منذ أشهر طويلة، في ظل أزمة سكن يعاني منها اللاجئون وطالبو اللجوء في قبرص التي لا يوجد فيها أي سكن مخصص لهم، باستثناء المراكز التي تضع فيها السلطات الوافدين الجدد ريثما تتحقق من أوراقهم، أو الأشخاص المرفوضة طلباتهم والتي ستشرع في ترحيلهم خارج البلاد.

صباح يوم الثلاثاء 19 أيلول/سبتمبر، كانت دورية من الشرطة اليونانية تتحقق من أن المجمع السكني فارغ بالكامل بعد أن كانت أخلته السلطات منذ ثلاثة أسابيع، “وعاد الهدوء إلى القرية”، حسب قول ضابط الشرطة لفريق مهاجرنيوز. فكان عشرات السوريين خرجوا في مظاهرة لمطالبة الدولة بإنهاء معاناتهم الإدارية وتأمين سكن لهم.

السلطات تسد جميع مداخل المجمع السكني على أطراف قرية كلوراكاس. الصورة: دانا البوز
السلطات تسد جميع مداخل المجمع السكني على أطراف قرية كلوراكاس. الصورة: دانا البوز

وعلى بعد أمتار قليلة من المجمع السكني المهجور التي قررت السلطات سد جميع مداخله، تعرض مطعم مجاور لاعتداء عنصري حيث لا تزال آثار التخريب تهيب على المكان، وكما في ليماسول، اكتفى العاملون هناك بالقول إنهم لا يبحثون عن مشاكل، متخوفين من أن يثيروا غضب وانتقام مجموعات اليمين المتطرف.

يلخّص طارق ما يعيشه قائلا ” قدمنا إلى جزيرة الأحلام، بعد ما عانيناه من قمع وعنف في سوريا، لنكتشف بعد وصولنا إلى قبرص بأننا نحمل أحلاما واهية بعيدة عن الواقع هنا”.

*اسم مستعار

 

 

اقرأ ايضا :