د .العجلوني يكتب.. لكنني أخشى أن ينقطع الخير ويضيع المعروف بين الناس
وكالة الناس – كتب.د. يوسف العجلوني – العلاقات الإجتماعية التي تربط الناس بعضها ببعض هي ذات صفات مختلفة، منها علاقة القرابة والزواج ، والمصاهرة ، والصداقة والعمل والمصالح المتنوعة ، والتي عادةً ما تُبنى لتستمر وتدوم ، وتبدأ بالإتفاق والوفاق ، أساسها العهود والوعود والوفاء بهما ، وتكون مملوءة بالمحبة والأمل ، وتظهر جوانبها المشرقة على الجميع ، ويصبح مع الوقت فيها ذكريات جميلة ، فإن صار وحدث فيها خلاف لأي سبب كان ، فإن هذا لا يعني نسيان ما كان من مواقف وفضل وود وإحترام ، وحتى وإن تغيرت الأماكن والمواقع ، ويجب أن لا تنتهي العشرة ، والمحبة والرحمة ، والمعاملة الرقيقة ، والجانب الأخلاقي في التصرفات ، لأنه ومن الممكن أن تكون أحوال الخلاف عارضة وتنتهي وترجع المياه إلى مجاريها.
النفوس البشرية السليمة ذات التربية الجيدة تحب المعروف وتسعى إليه سراً وعلانيةً ، والإقبال عليه من أسباب المدح والتقدير ، بينما الإعراض عنه من أسباب الذم والقدح ، وقد حضت عليه كل الديانات والحضارات، لأن المعروف إن كان بلا مقابل ، فإنه من مكارم الأخلاق ، وفيه مكسب عظيم في الدنيا من العز والمحبة وفي الآخرة من الأجر والثواب.
الخَير لا يعدَم جَوازِيَهُ ، لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللهِ وَالناسِ ، ويبقى الود وتحفظ الحقوق ، وتتصافى القلوب ، لكن بعض الناس يبرر البعد عن فعل المعروف بسبب استغلال هذا الأمر من ضعاف النفوس والمحتالين ، حيث أصبحنا لا نستطيع التفريق بين الصادق والكاذب ، وهذا لا ينبغي أن يكون مانعاً من فعل الخير وعمل المعروف ، فمن يفعل المعروف اليوم قد يكون في الغد من أحوج الناس إليه ، ولو أن الجميع تبنوا هذا الفكر السلبي بالبعد عن المعروف خوفاً من المحتالين لضعفت وفسدت الكثير من الأمور الإجتماعية ، وضعفت الصلات بين الناس ، لذلك يجب أن لا نتوانى عن فعل الخير وبذل المعروف ، مع الإنتباه أن يكون في مكانه الصحيح ولمن يحتاجه ، ومن الممكن أن يحدث خطأ ، ولكن إنما الأعمال بالنيات ، ويقال ازرع جميلاً ولو في غير موضعه ، فلا يضيع جميل أينما زرع ، فكيف عندما يكون في موضعه وأهله.
الدنيا دوارة والناس لبعضها ، وقد تجمعنا بأحد من الناس علاقة عمل ، وقد تقتضي الظروف أن يحصل خلاف ، أو انتقال إلى مكان عمل آخر ، أو تغير بالمناصب ، فلا ينبغي أن ينسى الإنسان الفضل بينه وبين الآخرين ، فكم هي جميلة المبادرة إلى إشعار الآخرين أنه وإن تفرقنا بعد مدة من التفاهم والتعاون والمحبة ، فذلك لا ينسينا ما كان بيننا من ود واحترام والعمل في مصالح مشتركة ، وذكريات جميلة عشناها معاً والتي من الصعب أن ينساها الإنسان وسوف تبقى مدى العمر. هنالك أثر واضح لهذه المواقف الجميلة ، وهنالك أثر نفسي وسلبي يتركه عدم المبالاة بشعور الناس وما قاموا به من عمل وجهد.
الوفاء بالوعود من أنبل المبادئ الإنسانية وأجمل ما يقوم به الإنسان تجاه الآخرين ، والرجال أصحاب الشخصية القوية ذوي العزة والشهامة هم أهل الوفاء مهما بلغ الثمن ، فهم أصحاب الأخلاق العالية ، الذين يستوعبون شعور الآخرين ويردون الأمانات والحقوق إلى أصحابها .
جبر الخواطر فيه رجولة وعاطفة ومحبة ، وهو من القيم الإنسانية والدينية ، فمن كان جابراً للخواطر أدركته العناية الإلهية ولو كان في أكبر المصائب والنقم ، جبر الخواطر ينقي العلاقات والمعاملات ويزيد من المودة والرحمة ، ويطيب له كل إنسان مهما كانت القرابة أو الصحبة أو الزمالة بالعمل.
التسامح من أسمى الأخلاق التي تضيف للإنسان هالة وهيبة رفيعة تجعله مكان احترام من يفهمون معنى التسامح ، الذي هو من أعظم الفضائل التي دعت إليها كل الأديان ، لأنها صفة جميلة تدل على نقاء قلب صاحبها وإيثاره وحبه للناس ، والتسامح يعود بالنفع على جميع الأطراف ويمنح الرضا والراحة ويسود الحب والمودة في المجتمع ويعود على صاحبه بنفع أكبر حيث يشعر المتسامح بسلام داخلي ونقاء الروح ، فيكون الأكثر سعادة والأقل عرضة للأمراض النفسية والجسدية مثل الضغط والسكري.
هنالك صعوبة كبيرة ومعاناة عند معظم الناس في القدرة على العفو والتسامح ، ويكون هنالك تردد كبير بالمصالحة خوفاً من الطرف الآخر بتكرار الخطأ ، ولكن دائماً الأفضل هو الصلح ، لأن الحياة قصيرة ، وممكن أن يكون قرار المصالحة من أجل الخلاص وراحة البال وللمحافظة على هدوء عائلي أو مهني ، وإنهاء الخلافات والمجادلات والتدخلات من أطراف أخرى ، والقال والقيل.
في حال وجدت نفسك تقبل المصالحة وتستطيع أن تتسامح مع الطرف الآخر وتنهي شعورك بالأذى والحزن والضيق ، فهنالك أمور تسهل عليك طريق المصالحة؛ ابدأ أولاً بتحليل موقف الشخص الآخر ، وهل كان سلوكه متعمداً أم لا ، تذكر المواقف الجميلة للشخص المخطئ، وتذكر ما كان من الفضل بينك وبينه ، لا تنسى أن الجميع معرضون للخطأ ويخطئون ؛ ممكن أن تتحدث مع أحد المقربين المحترمين وتستشيره بالموقف ، لا تتجه للسلبية والغضب والتهديد ، ولا تجعلها تسيطر على تفكيرك وتجرك لتؤذي مشاعر الآخرين أو تقوم بالتعدي على الآخرين ، يُقال ‘الشر يبدأ من شرارة’ ، وهنا تصبح أنت المخطئ بعد أن كنت على حق وتكون الخسارة كبيرة على الجميع.
التنازل عن الحق يحتمل معاني كثيرة وحسب الزاوية التي ينظر منها كل طرف ، ولكن أيما كان الخلاف وحجمه، لا يجوز تشجيع المخطئ على خطئه ، والتنازل ممكن أن يكون بالتغاضي عن بعض الحق أو تأجيله فقط ، ويجب إبقاء الأمور ما بين الحفاظ على الحقوق، وردع المتعدي حتى لا يكرر الظلم وأكل حقوق الناس مرات ومرات ، في نفس الوقت الرحمة والحفاظ على الود والعلاقات الجيدة بين الناس.
العفو عن الحقوق شيء مستحب وله فضله ، وإذا كان العفو عن الحقوق للقريب والصاحب فهو كرامة وحنية وأكثر تأثيراً على النفس لما في ذلك من بقاء لصلة القربى والصحبة والمحبة ، وهنا يكون الردع بإظهار القدرة على الإنتصار والتمكن من الرد ، ثم العفو بعد ذلك وإشعار الطرف الآخر بتأثير ما فعل ليخجل من نفسه وأن لا يكرر فعلته. في بعض الأحوال ، يفضل عدم العفو عن الحقوق بتاتاً ، وخاصة عندما تتجه العلاقة بين الطرفين للبعد ولم يعد هنالك فائدة من الإصلاح ، ذلك أنه إذا أساء إليك شخص معروف بالإساءة وأكل حقوق الناس ، ولن تستطع الإستمرار بالعلاقة معه ، فالأفضل هنا أن لا تعفو عنه وأن تأخذ حقك بالكامل ، لأنك إذا عفوت عن هذا النوع من الناس سوف يزداد شره وقناعته بالتعدي على الآخرين . أما إذا كان الإنسان الذي أخطأ في حقك معروفاً عنه أنه ذو سمعة حسنة وقليل الخطأ ولكن الأمر حصل لسبب ما يمكن تبريره ، أو خارجاً عن إرادته ، فهنا الأفضل أن تعفو ، والله يحب المحسنين والعافين عن الناس.
التسامح قيمة طيبة في النفس ، وتكون دائماً لأهداف سامية أو لمصلحة إنسانية أو عامة ، وتكون في النفوس الخالية من الحقد والكراهية ، الذين يقتنعون أن الحياة أقصر من أن تضيع في حزن وغضب وجفاء ومناحرات وعداء ، ولأن عدم التسامح له تأثير سلبي كبير على صحة الإنسان من التوتر والإرهاق والألم ، كما أن التفكير الدائم في المواقف المحزنة والذكريات الأليمة تولد سلبية كبيرة وعدم قدرة على التقدم والنجاح. التسامح سمة الأقوياء إذا طابت نفوسهم ، الذين يجودون بها من غير ضعف عندما تكون الأمور واضحة وعندما يكون وقتها.
د. يوسف العجلوني