العجلوني يكتب .. الصحراءُ حياةٌ وشموخٌ ٌوإباءٌ ، وشعورٌ لا يُنسَى
وكالة الناس – كتب. د. يوسف العجلوني – تُغطي الصحاري حالياً خُمس مساحة الأرض وقد تُصبح أي بقعة في العالم صحراء بسبب العوامل الجوية.
تتكون الصحراء في المناطق الذي يكون هنالك إختلافات كبيرة في درجات الحرارة بين النهار والليل حيث ان ذلك يؤدي إلى تكسّر الصخور إلى قطع صغيرة ، وكذلك سقوط المطر على الصخور الساخنة يزيد من تحطيمها إلى شظايا ، والرياح تفتت هذه الشظايا الى حبيبات رمل ، فتحمل الرياح هذة الحبيبات في عواصف ترابية ، فتكشط وتنعم الصخور ، وتُحوّل الرياح حبيبات الرمل لأشكال متجانسة وترصفها كطبقات أو تكدسها مكونةً كثباناً رملية.
الصحراء مساحات شاسعة مفتوحة مثل البحر ، جمالها في امتدادها الواسع ، بعيدة عن البنايات وعوادم السيارة والإزعاج والضوضاء ، فتكون الرؤيا البعيدة والهدوء والهواء النقي.
بعض مناطق الصحراء تتجمع المياة فتكون الواحات ، التي تحي الارض ، فتعيش النباتات وتكثر فيها الحيوانات والطيور بأحجامها وأنواعها المختلفة ، وتكون الواحة وكأنها جنة وسط الصحراء حيث تجذب الناس ، وتتكون التجمعات السكانية.
إن القيادة في الصحراء تتطلب منك الحيطة والحذر من أجل سلامتك والآخرين ، وحفاظاً على النظام البيئي والحياة البرية؛ يجب عليك الإعداد للرحلة ويجب أن تكون قيادتك للسيارة بسرعات مناسبة ، لتستمتع بجمال الطبيعة المحيط بك وأنت هادئ الأعصاب ، يجب عليك التركيز والإنتباه أثناء القيادة وعدم إستخدام الهاتف المحمول أو تغيير محطات الراديو أو الأكل والشرب وذلك ما أمكن ، كما يجب التحقق من مؤشرات سيارتك ، مثل خزان الوقود وضغط الزيت ودرجة الحرارة ، فنفاد الوقود في وسط الصحراء أو زيادة درجة حرارة المحرك عن الحد الطبيعي سيكون محبطاً وسيُفسد عليك مغامرتك.
الصحراء عند الصباح والشمس تلتهب تكون شديدة الحرارة ، وعند غروب الشمس يبدأ الجو بالبرودة ؛ ولأن نزول الأمطار قليل ، تكون التربة جافة وجرداء ، وبعض الأحيان تنزل الأمطار بغزارة وتحدث الفيضانات ، وكأنما ليس هنالك حالة وسط في الصحراء.
رمال الصحراء رمالٌ ناعمة ، زاهية اللون ، هي عادةً ذهبية اللون، ويتغير لونها عند النظر اليها من زوايا مختلفة حسب ظلال الشمس؛ وفي الحر الشديد ، تظهر من بُعد وكأنها ماء ، وهو ما يسمّى بالسراب؛ وفي بعض المناطق ، يندمج لون الصخور الوردية مع لون الرمال الذهبي ، فتعطي منظراً جميلاً لا يُقاوَم.
الصحراء لها أسرارها وجمالها ومدلولاتها في قلوب من يرتادها ؛ وقد سكنها الكثير من الشعراء ، وكُتِبَت فيها العديد من القصائد التي تصف مكونات الحياة والعزة والشموخ والإباء ومواطن الجمال فيها مثل: أهلها والشمس والقمر والنجوم والشهب والرمال والحيوانات والنباتات خاصتها ، فجمالها متنوع ومتغير الوصف ، وغير مشروطٍ بخضرة أو ماء أو مباني؛ إنه الجمال الذي يعطي الإيحاء والإلهام بشكل طبيعي دون أي تاثيرات مصطنعة.
غروب الشمس في الصحراء ولونها المتدرج بين الأصفر والبرتقالي والأحمر هو إبداع إلهي وآية في الجمال والرونق ، ومنظر لا يضاهيه منظر ، فهو يُذهل الأبصار ، ويخلب العقول ، ويوحي لك بعواطف جياشة: منظر وصورة وحالة لا تتكرر كل يوم.
النجوم في الصحراء تتلألأ في عتمة اليل بلونها الصافي فهي بارزة وواضحة وتظهر قريبة؛ لها بريق يجعل الليل أكثر ألفةً ويفتح آفاقاً للتفكير والإبداع وكتابة الأشعار. ومن خلال تركيزك في السماء والتنقل بالنظر بين نجمةٍ ونجمة ، تتلاشى همومك ، ويَنبعث فيك الأمل بالأيام القادمة؛ وهذا يُثبت أن الصحراء ليست مكاناً قاحلاً ، بل فيها الحياة والمناظر الخلابة؛ فقط عليك أن تزورها لتبتهج وتستمتع بهذا الجمال الذي ستحبه وتعشقه وتتعلق به وتبقى تشتاق له دائماً.
القمر في الصحراء يظهر صافياً ناصعاً وقريباً ، ويُرسل ضوءه الرائع بمحبة وشاعرية ويضيء درب المسافرين ، ويظهر ويغيب بين الغيوم ، ليعطيك إحساساً بالأمان والرهبة في نفس الوقت ، شعور ونور وأشجان ، يُغيّر فيك الكثير ويجعلك تنتظر الصباح ليوم جديد.
وأنت تنظر للسماء الواسعة في ليل الصحراء الصافي في جو هادئ ، ستلاحظ بوضوح زخات الشهب التي تظهر بين حين وآخر ، وتجعلك تشعر بعظمة الكون وهيبة وهول ما يحدث فيه، وكبر السماوات وحجمها الذي يفوق كل تفكير ويُشعرك بعظمة الخالق.
الحيوانٍات والنباتات في الصحراء لها خصائص فريدة تمكنها من التكيّف والتأقلم للبقاء ، حيث تتحمل العطش والجفاف والظروف القاسية ، لا تشرب الماء إلا في فتراتٍ متباعدة لتنتظر نزول الأمطار في موسمها.
أثناء مرورك في الصحراء ، وأنت تقود سيارتك بإتجاه العقبة أو عائداً منها إلى عمان ، تبدأ المغامرة ، ويذهب عقلك الى عالم الخيال؛ مكانٌ يريح البال ، ويجعلك تختلي بنفسك وتغرق في الكثير من الصور والظروف والمكونات التي لن تراها في مكان آخر ، وتجد نفسك وقد أخذت جرعةً من راحة النفس والسحر وإتساع الأفق الذي يحرك فيك كل شيء ، وممكن أن يجعلك شاعراً أو كاتباً إذا كان لديك الميول ، لتصف كلّ ما ترأه بحماس ٍ وإبداع.
أخيراً اقول : إذا تعلقت بجمال الصحراء ، سوف تبقى تتمنى تكرار زيارتها أو تقود سيارتك من خلالها ، فأنت تحتاج بعض المرات للهدوء والسكينة والتفكّر بخلق الله ، والبعد عن الناس وضوضاء المدن وصَخبها والأصوات العالية ، ولابُدّ أنك أحياناً بحاجة لمشاهدة شروق الشمس وغيابها وجمال ليل الصحراء وقمرها ونجومها؛ وتذكّر أن الجمال يكون بعين الناظر : مُوزّع في كل مكان وزمان ، يراه ويلتمسه ويفهمه ويستمتع به كل من يُحبه ويحب الطبيعة ، وهذه هي الصحراء.
د. يوسف العجلوني
