عاجل

كيف ترغب أن تكون وظيفتك الثانية بعد التقاعد ؟

( هذا المقال مُوجَّه ّللمتقاعدين والمقبلين على التقاعد فقط)

وكالة الناس

كتب الدكتور يوسف العجلوني ــ أبو إحمد أحيل على التقاعد وصار تواجده بالبيت طوال اليوم. وكعادة جميع المتقاعدين حيث صعوبة المرحلة الجديدة: بدون وظيفة ، وقلة المادة ، وفراغ كبير ومش ملاقي شغلة ، كثرت انتقاداته لأم أحمد بكل شيء ، باللي بفهم فيه وباللي ما بفهم فيه ، واللي جنن ام احمد تدخله في شؤون البيت ، وليش وليش؟ حتى صارت أم احمد تلعن الساعة اللي تقاعد فيها ، وتدعي على اللي قاعده ، وتطلب منه يطلع من البيت ويتوظف أي وظيفة وين ما كان ومهما كان الأجر.

أبو إحمد اصلاً وهو موظف كان قرفان من البيت من كثرة نكد ام أحمد وسلبيتها في كل شيء وطلباتها اللي ما بتخلص، وعصبيتها وانتقادها لكل شيء. ولكن كان يلاقي الدوام مهرب مشان يريح قلبه ويخلص من النكد المزمن المستمر المتراكم. والآن بعد التقاعد ، صار محصور ، ومش ملاقي مهرب ، ولا عارف شو يساوي ، وبطل يتحمل حديث أم احمد المستفز ونظراتها المزعجة ، والجدال المستمر، والإنتقادت اللي ما بتنتهي ، ومخالفته بكل شيء بقترحه أو بحكيه ، مش عاجبها زوقه ولا تصرفاته ولا حتى تعامله مع الأولاد.

المسكين ابو احمد صارت حياته جحيم ، نكد بالنهار ونكد بالليل ، صار أحلامه مزعجة وطين ، صار ينام متنكد ويصحى متنكد ، وما يجي على باله لا أكل ولا شرب ، مش طايق يقعد بالبيت ، منهك من قلة النوم وقلة الحنان ، فقد الشعور بالمتعة بكل شي ، وصابه ضعف جنسي ، وصار عصبي ، مش طايق حاله ، وشعر انها حياته انتهت ، بطل يحلق لحيته ولا يشتري ملابس ، ولا يهمه شكله ، صار يلعن اليوم اللي طلع فيه على التقاعد ، وبدا يفكر بالإنتحار.

بعد ثلاثة شهور من الألم والكآبة ، الله هداه ، وفكر يتاقلم مع الوضع ويكمل الحياة بحلوها ومرها ، صار ينزل يتمشى حول البيت ، وفي المنتزه ، وفي المولات مرات ، مشان ما ينجلط من شدة القهر ، ولعل الله يمشّي الحياة بدون بهدلة واشتفاء الاعداء.

بالصدفة وفي أحد المولات ، إلتقى بسيدة شابة ، شافته مش ‘شايف الضوء’ ، سألته عن حاله: ما كذب خبر ، وخبرها بالتفصيل عن معاناته بالبيت.
قالتله: سبحان الله ، القدر دلني عليك ، واضح إنك انسان ناضج ووقور ، وحنون ورومانسي ، وخبير بالحياة ، والشيب اللي براسك معطيك تميّز وهيبة وحكمة بالقرار؛ انت عاجبني بكل شي فيك ، وانا طول عمري بتمنى وبحلم ألتقي بشخص مثلك ، ويحبني ويملكني ونتشارك الحياة زي عصافير الحب.

أبو أحمد ما صدق اللي بسمعه ، وطار من الفرح ، ومباشرة راح على البنك وسحب كل ما تبقى من مكافئة التقاعد واشترى شقة جديدة ، وتقدم لخطبة الفتاة سرا” وتزوجها.

ثاني يوم بعد الدخلة ، رجع على بيته ، سألته أم احمد بعصبية: خير وين كنت؟! ، أنا ما عرفت إنك غايب غير لما نظفت الكنباية بالصالون وما لقيتك نايم عليها.

أبو أحمد مسك أعصابه ، مش فاضي للنكد ، وما بده يضيع إنبساطه وفرحته وشعوره بالشباب والقدرة على القرار وجمال الزوجة الجديدة الحنونة وحكى لام احمد: توظفت وظيفة جديدة بجو جميل وجديد ودوام طويل لكن مريح ، انبسطت أم أحمد ، وخففت حدة الحديث لأنها ما صدقت تخلص من وجوده بالبيت ، وحكتله: وشو هالشغل الجديد؟
حكالها: وظيفة في شركة مالية عالمية معتبرة ماشية على المعايير والدقة والإلتزام ، وطلع دوامي مبدأياُ ليلي.

أم أحمد اعجبتها الوظيفة وحكتله: إن شاء الله مباركة عليك ، وعسى الله يقويك ويعافيك وتستمر فيها ، ودير بالك تعمل مشاكل وتبطل ، وإنتبه خليك لطيف ، وإلبس كويس وتعطر ، وخليك دائما” أنيق ولازم تنتبه لتغذيتك مشان تقدر على دوام الليل ، والله يرزقك منها الخير.

المهم : أبو أحمد إنبسط بالفكرة والزوجة الجديدة الشابة الفعالة وتصرفاتها الراقية ، والأنوثة اللي ما كان يلاقيها ، وتعاملها معه برضى ومحبة ، وبدأ يشعر وكانه ابن خمس وعشرين سنة ، وصار ما يجي لعند أم أحمد إلا الصبح ، منهك وتعبان ومبسوط من وظيفته الجديدة.
وصارت أم أحمد كل يوم الصبح أول ما يوصل تجهزله الفطور وتحكيله:
‘باين عليك تعبان من كثرة الشغل ، قوم ريح بدنك ، وأنا بصحيك الظهر حتى تصلي وبكون جهزتلك الغدا مشان تروح على الدوام مرتاح وحيلك قوي وتنجز كويس.

أحيانا كان أبو احمد بس يخلص الفطور الدسم عند ام احمد ، يرجع يروح عند الزوجة الجديدة ويقول لأم أحمد: أنا اليوم مستلم عن زميلي من الصبح لأنه المسكين عنده ظروف في بيته (زوجته نكدة) وما بيقدر يداوم اليوم ، وترد عليه أم احمد وهي مبسوطة: كفو يا أبو احمد ، وشهم وسباق للمعروف ، الله يجعلها في ميزان حسناتك ويوفقك لعمل الخير أكثر وأكثر ، ولا تنسى تصلي الصلاة بوقتها وخاصة صلاة العشاء والصبح ، وتودعه بحفاوة وتكريم وإحترام ورضى وواضح انها صارت تراعي ظروفه وتعبه وانشغاله بالعمل الجديد.

وهيك رجعت لأبو أحمد هيبته وإحترامه ومكانته ورجولته ، وشغل وقته بشيء مفيد ومثمر ، بدون اي نكد ، وقلبه مرتاح ، وصحته تحسنت ، ورجّع لعيلته الهدوء والسكينة ، وبطل عنده اي وقت يتدخل بشؤون أم احمد ، وصار يحمد الله على التقاعد ويحتفل باليوم اللي طلع فيه على التقاعد.

واخيرا انا اقول؛ لازم الواحد يحسب حساب للوظيفة الثانية بعد التقاعد ، ويستفيد من تجربة ابو احمد بتحديد مواصفات الوظيفة الجديدة ، والدال على الخير كفاعله.

د يوسف العجلوني