العجلوني يكتب .. هل صار السكوت عن قول الحق راحة بال ؟

هل صار السكوت عن قول الحق راحة بال ؟
هل المنافع الشخصية تبرر السكوت عن قول الحق ؟

وكالة الناس – كتب . د. يوسف العجلوني – قول الحق اكيد من الصفات المجيدة التي يجب أن يتحلّى بها كل إنسان. قول الحق امانة وضمير للمحافظة على الطريق الصحيح ، من اجل بناء متين. قول الحق يتضح فيه الثقة بالنفس والمصلحة العامة والانتماء للوطن ودرجة الايمان بالله سبحانه وتعالى.

مؤلم ان تصبح المبادئ والمفاهيم تحمل معاني اخرى، فالكذب أصبح مجاملة وادارة ، والنفاق فن وشطارة ، والخداع وتغيير المواقف اعادة ترتيب ، وعدم الالتزام بالمبادئ اصبح من باب تسهيل الامور ، والسكوت على الظلم محافظة على الوظيفة والمنصب ، والرشوة اكرامية ، بينما قول الحق تمرد وعنف.

كلما ارتفع فكر الانسان وثقافته وزادت خبرته في الحياة وامتلأت نفسه من كل شيء وتبتت قناعتة بان الرزق من الله ، كلما اصبح مطمئنا” على نجاحه ومستقبله ، وبذلك لا يتردد بقول كلمة الحق.

المشكلة أن الكذب وعدم المواجهة وتزوير الحقيقة أصبحت هي الحالة الشائعة ، وصار من المعتاد ألا يقول الناس كلمة الحق ، واصبح سعي الفرد واضحا” وراء مصلحته الشخصية ، وصار قول كلمة الحق لا يرضى المسؤولين ، ومن هنا تبدا حالة السلبية وتحطيم البناء المؤسسي والانحدار في المجتمعات.

ما يحزن ان قلة من الناس من يجرؤون على قول كلمة الحق ، يقولها هؤلاء الذين تربوا على الاخلاق الحميدة والاصول والعصمة والمنعة والشجاعة والاقدام واحترام النفس ، لأن قول الحق له تكاليف بسبب الاشتباك مع الحمقى والانذال وأهل الباطل ، وأعوانهم. ولا شك ان من يقول كلمة الحق هو إنسان قوي يعتز بنفسه ووطنه ، له ضمير ، رسخ الإيمان في قلبه لماهية الحياة ، هو يعلم أن للحق اساس راسخ لن يزعزعه التشويش الذي يحجب الحقيقة ، وسوف يهزم اهل الباطل وإن سخرت لهم جميع القوى والمناصب والظروف.

قد تدفع فعلا كلمة الحق بصاحبها الى زاوية تظهر للاخرين صعبة ، ويبدو من يقول الحق متهورا” ، ولكن عدم قول الحق يضعه في مواجهة مع نفسه وكرامته والتزامه الفكري ، واحترامه لذاته ، فتكون هنا الخسارة عليه اكبر من عدم الرضى عن نفسه والشعور بالقهر والضعف والكبت والتناقض مع ما تربى عليه مما يجعل الحياة اصعب.

الجبناء يروا الظلم والتعسف بحق الآخرين والمؤسسات والوطن امرا” سهلا”، ويطأطوأ رؤسهم ويرضخون خوفا” على الوظيفة أو المنصب. ولا يفرق معهم ان يعيشوا في مضمار الذل والهوان ، لذلك يكون العرف عند المتسلقين الحمقى انه لابد ان يكون مجاملا” ذليلا” ليكون مقبولا ، حتى لو كانت هذه المجاملة تصل الى حد الاستجداء والكذب والقباحة. هؤلاء هم من يخالفوا ضمائرهم ولا يقولوا ما يتوجب عليهم من الحق ، بل قد يصل بهم الأمر الى أن يكتبوا شهادة غير صحيحة ويكون الله لهم بالمرصاد في الدنيا والآخرة. اكيد هؤلاء استغلوا مناصب لا يستحقونها ، أناس باعوا ضمائرهم لأجل المغريات المزيفة قصيرة الامد ، وهم انفسهم سوف يعرفوا يوما” أن الباطل زائل وان قول الحق موجود وثابت وسيبقى.

ويل لمجتمع اصبح قول الحق وإظهاره للناس ، والجهر به على الملأ ليس الفكر والاساس. والمصيبة هنا غياب الرجولة والانتماء ، الذي يعطي المجال للباطل يصول ويجول بسبب القبول المجتمعي ، وتبرره المنافع الشخصية والمصالح.

احيانا” تكمن المشكلة بمن يدعي انه يقول الحق ، فتجد المسؤول يقول ان اهم شي عنده كلمة الحق ويتكلم دائما بالمثل العليا والمبادئ ، ولكن تتفاجأ بان كل اعماله باطل وكذب وزور وتحيز ، نعم ذلك مجرد كلام للاستهلاك العام وفي الواقع لا يطبق منه شي ، هو يطلق شعارات مزيفة تظهر قول حق ، وليس هي الا مجرد كلمات او كتابة على الورق لا تستفيد منها المؤسسة شي والهدف اظهار شي غير موجود.

يجب ان يكون الحق بالقول والفعل ويظهر ذلك على الواقع اليومي ويستفيد منه الجميع وخاصة الفئه الفقيرة التي تعود اهل الباطل على اكل حقوقها. يجب ان تبقى كلمة الحق في مكانها عزيزة شامخة وتنير الطريق. بالحق فقط ينتشر الخير في البلاد ، ويعم العدل والأمن ويسعد العباد ، وبالحق فقط تصفو النفوس وتسود المحبة وتبتهج الحياة وتستمر المؤسسات والاوطان.

الطريقة التي يقال فيها الحق لا تكون دائماً في مستوى واحد من القوة والحزم ، وإنما يتغير حسب المواقف والظروف ، قول الحق قد يتطلب في وقت ما اللين واللطف دون ضعف ، وفي وقت آخر يتطلب الشدة والعنف دون الخوف من لومة لائم ، والمعيار هنا هو مصلحة المؤسسة والمصلحة العامة.

الرجل الوطني الحر عزيز دائماً ، ولا يرضى الدنية ، ولا يقبل الضيم ، ولا يقبل أن يُعتدى عليه ، ولا يقبل أن يقترب احد من ساحته ، او كرامته ، فهو لن يرضخ ولن يتنازل ولن يساوم مهما بلغ الامر ، وسوف يرد مباشرة بكل قوته وبكل الطرق على الاعتداء دون خوف او تردد مهما كانت النتائج ، ولن يقبل الظلم ابدا” فهو جاهز في اي وقت لتغيير المكان الذي لا يناسبه ولن يخسر شيئا”ّّ. هو يصنع المستقبل والنجاح اينما يريد ، وهو يعلم ان لقول الحقِ ثمنٌ هو مستعد ان يدفعه بسهولة لانه مقتنع وقرر الرد ، وعلى قدر المواقف تكون الشجاعة والرجوله وعلى قدر اهل العزم تاتي العزايم.

كن شجاعاً في قول الحق ، ولا تخف من الزوابع والمنافقين والكلاب ، وتوكل على الله. إن الثبات على المبادئ والقيم من أهم الأمور التي تجعلك شخصا قويا معتزا” بنفسك في مختلف مراحل حياتك وتكون راحة البال. الشجاعة في قول الحق شي جميل جدا وممتع وقناعة عظيمة ذات تاثير نفسي كبير ، فذلك يعني انك واثق بما وصلت اليه من علم ومهنية وخبرة في الحياة ويبين درجة ايمانك بالقرار والطريق وبرب العالمين.

واخيرا اقول ان قول كلمة الحق واجب على كل انسان شريف مهما كانت الظروف لغير ذلك , والخسارة اكبر على المؤسسات والمجتمع في عدم قول كلمة الحق. الحياة مرة واحدة ، قل الحق ولو على نفسك.

يوسف العجلوني