التقاعد نهاية أم بداية ؟
وكالة الناس – كتب.د يوسف العجلوني – التقاعد مرحلة جديدة من الحياة المهنية والاجتماعية ، ولا يوجد داعٍ للخوف منه ، فهذه الحياة الجديدة عادية وطبيعية، ولا بد لاي موظف من الوصول اليها ، ويجب ان تكون راحة من عناء العمل لسنوات عديدة جسديا” ونفسيا”.
في شهر ٦ – ٢٠٢٠ أمر جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله بمنح سنة خدمة إضافية لجميع منتسبي قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية في نهاية خدمتهم.
كان امر سيدنا بمنح سنة خدمة إضافية” بمثابة حديقة مزروعة بكل انواع الاشجار المثمرة والورد التي تعجبني جدا ، رمزا” وشعورا” ، وتمنيت الدخول اليها لاتنزه وارتاح من اعياء ومغامرات العمل من جوانب مختلفة ، وللخلاص من كل منغصات البيئة السليمة.
بانتهاء يوم الاحد ٢٠-٩-٢٠٢٠ كانت نهاية خدمتي في الخدمات الطبية الملكية ، حيث اكملتُ مدة ٢٩ سنة ، ويضاف عليها سنة مكرمة من سيدنا لتصبح خدمتي ثلاثين سنة كاملة.
تذكرت لقاء” لي مع سيدي المغفور له صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال رحمه الله في المقصورة الملكية سنة ١٩٩٢ حيث كان وجهه يشع نورا” ومحبة” ، وقلت بخاطري الله يرحمك يا سيدي ، لازالت كلماتك مسير حياة لنا في نهجنا وحياتنا ومحبتنا وانسانيتنا.
تذكرت خدمتي مرافقا” طبيا” مع سمو الامير حسن بن طلال حفظه الله بين سنة ١٩٩٤ و ١٩٩٨ حيث المحبة والفخر بالخدمة مع العائلة الهاشمية.
تذكرت حصولي على العديد من الجوائز ، اهمها بالنسبة لي كان جائزة تقديم احسن بحث في استراليا في الأسبوع الاسترالي لامراض الجهاز الهضمي سنة ٢٠٠٥.
تذكرت تصنيفي الفني برتبة مستشار اول منذ سنة ٢٠١٤ ، حيث كنت اصغر طبيب يحصل على هذة الرتبة الفنية منذ أنشاء الخدمات الطبية الملكية.
تذكرت العديد من اللجان التي كنت رئيسها في الخدمات الطبية الملكية ، وعدد المهمات الداخلية والخارجية التي شاركت بها.
تذكرت حصولي على وسام الإستحقاق العسكري من الدرجة الثانية سنة ٢٠١٦ ، وانا برتبة عقيد ، وكنت اصغر رتبة تحصل على هذا الوسام الملكي الذي يعني التميز العسكري والمهني.
تذكرت الدول التي تدربت فيها؛ استراليا وبريطانيا وامريكا والمانيا والصين وتركيا ومصر والاردن والعراق.
تذكرت حصولي على العديد من كتب الشكر من مدراء الخدمات الطبية الملكية السابقين ومدراء المستشفيات الطرفية وذلك لنشاطي المهني والعلمي ونقلي الخدمة الطبية المميزة في مجال الجهاز الهضمي والكبد والتنظير الى كافة محافظات المملكة ، ليستفيد منها المواطن المسكين الذي لا يستطيع الذهاب الى عمان.
تذكرت عدد المؤتمرات التي حضرتها بالاردن والعالم (١٥٩ مؤتمر) ، وعدد الأوراق العلمية التي قدمتها ونشرتها (١١٢ ورقة) ، وعدد المحاضرات (٤٢٢ محاضرة) ، وعدد ورشات العمل (٨١) ، وعدد الجوائز (١٤) ، وعدد الدروع (٤٢ درع).
تذكرت نجاحي رئيسا”
للجمعية الاردنية للجهاز الهضمي (JSGH) ، ونجاحي رئيسا” منتخبا” للرابطة العربية للجهاز الهضمي (PAAG).
تذكرت ان فضل الخدمات الطبية الملكية والقوات المسلحة الاردنية علي عظيم؛ لقد تقبلتني وحضَنتني وعالجتني وتابعتني ووقفت معي في اصعب ايام حياتي ، واوصلتني الى هذا المستوى من النجاح. الخدمات الطبية الملكية المؤسسة العريقة العظيمة الموقرة القوية اساس الطب في الاردن التي هي دوما” عنوان للسمعة الطبية الطيبة والكفاءات.
لقد مثلتُ الخدمات الطبية الملكية في كل مراحل خدمتي بوطنية وقوة ومحبة وصدق وفخر واعتزاز وانتماء وامانة.
لم افكر يوما” بمصلحتي الشخصية مقابل مصلحة الخدمات الطبية الملكية ، ولا مقابل المصلحة الوطنية او المصلحة العامة.
لقد احببت مريضي وتابعته واعطيته ما يحتاج ، وفي صدري مخافة الله ومصلحة المؤسسة.
لقد قمت بتعليم وتدريب زملائي ليكونوا احسن مني ، ولم ابخل عليهم بخبراتي المهنية والادارية والتواصل مع العالم.
سخرت كل قدراتي واتصالاتي على الساحة العربية والعالمية لتسهيل وفتح ابواب التدريب للأطباء والتمريض ، وتوفير المال في العلاجات ، لصالح الخدمات الطبية الملكية والاردن.
لم اتنازل يوماً عن مبدأ تربيت عليه ، ولم اُعطي للمزاجية والعلاقات الشخصية اي دور في قراراتي ، ولم اُدخل الى قلبي الحقد يوماً.
تذكرت مدراء الخدمات الطبيه الملكية السابقين كلهم ومثالا” واخص بالذكر من خدمت معهم بقرب ومعرفة مثل الباشا الدكتور معين الحباشنة الرجل الوطني المميز شمالا” وجنوبا” ، الذي كان هو العلم والقوة والهيبة والجوهر والإدارة والمحبة في آن واحد ، والباشا الدكتور شوكت التميمي الذي كانت تهمه مصلحة المؤسسة اولا” ، وقلت في نفسي الرجال النشامى تبقى ذكراهم وان طال الامد.
توقفت للحظة وقلت الحمد لله اولا” واخرا”؛ لقد خدمت بوطنية وصدق وامانة ، وبطيب خاطر ومحبة ، وكان الاساس عندي في العمل هو المهنية والرجوله والانتماء والولاء ، فلن يغير التقاعد من فكري او وجودي شيئا” ، وليس هنالك ما يقلقني ، فلا زلت بوطني وبين اهلي ، ومن ذلك اليوم بدأت اوسع مجال عملي ونشاطي ليمتدَ الى كافة القطاعات الصحية في الاردن.
في نفس اسبوع التقاعد ، باشرت دوامي في تدريس الطلاب في جامعة العلوم والتكنولوجيا الاردنية ، وشعرت بالفخر خلال تدريس اولادي الذين اعتز بهم واحبهم “طلاب كلية الطب”.
تشرفت بأن اكون احد اطباء مستشفى اربد التخصصي في اربد ، وقمت بتفقد بيتي في الصريح الذي كان مهملا” خلال السنوات الماضية على الرغم من جمال المنطقة وسعة المنزل وتنوع الاشجار والوان الورود. نعم لقد عدت في سنة ٢٠٢٠ لاكونَ في مسقط راسي بين اهلي “وهذا ما اراده لي ابي منذ زمن بعيد” ، وها انا الان يا اهلي بينكم واستمتعُ بخدمتكم ، والتعامل مع قلوبكم النقية بكل معاني المحبة والاعتزاز.
بدات الدوام في عيادتي الخاصة التي كانت جاهزة لهذه اللحظة في عمان العاصمة العربية الجميلة التي اعشقها.
زرت بيتي في مدينة العقبة الجميلة جدا ، وكاني ازورها واراها لاول مرة.
قمت بزيارة تركيا لمتابعة ما توصل اليه الأتراك في مجال زراعة الكبد ، لتبادل الخبرات مع الاردن وخصوصا في القطاع الطبي الخاص.
قمت بزيارة مصر ، الدولة التي اعشقها واحب اهلها ، حيث اعتدت على ان لا اغيب عنها طويلا”.
قمت ومجموعة من زملائي في مصر والدول العربية بتأسيس الجمعية العربية لمرض كرونز وتقرحات القولون (PACCA) ، والامل لهذة الجمعية ان تكون منافسة لمثيلاتها الأمريكية والاوروبية ، وانا افتخر بانني احد الأعضاء المؤسسين.
تشرفت بزيارتي لجامعة اليرموك في اربد ، وذلك لعمل لقاء طبي حيث كنت بضيافة الدكتور المتميز زهير الطاهات للحديث عن اهم امراض الجهاز الهضمي والكبد على اذاعة يرموك اف ام.
شاركت ب ١٨ مؤتمر عربي وعالمي بتقديم محاضرات من خلال الاتصال المرئي دون الحاجة لاخذ اذن من احد او ان ابرر لاحد.
تشرفت بالانضمام الى بنك الشفاء والصحة الأردني ، المؤسسة الأردنية الخيرية غير الربحية والتي تعمل ضمن إختصاص وزارة الصحة ويُقدم خدماتهِ الصحية بعدالة وكفاءة عالية للمواطنين والمُقيمين في الأردن دون أيّ مُقابل أو تمييز من غير المؤمنين صحياً في أي جهة رسمية أو خاصة ولا يقدرون على دفعِ تكاليف علاجهم.
الان اقول ومن تجربتي وخبرتي بواقع الحال؛ التقاعد هو كما تراه وتعيشه ، فهنالك من لا يحب التغيير ويعتبره النهاية ، وهنالك من هو جاهز له ويعتبره البداية؛ انا اقول واعتقد ان التقاعد مرحلة من العمر جديدة ومريحة وممتعة ومميزة ، حيث تستطيع الجلوس مع نفسك كما تريد وتستطيع ان تختار الأصدقاء من كافة انحاء العالم ، ولست مرتبطا” بوقت او دوام او يوم او مكان او عمل او اشخاص ، ليس هنالك داعي للتزاحم في الطريق للوصول الى العمل ، ليس هنالك مكان لتدخل الاخرين بما تقوم به ، ليس هنالك داع لعمل اي شي لا ترغب فيه ، انت تراقب نفسك ، لست مضطرا لتراعي امزجة الاخرين فالناس نفسيات وثقافات ممكن ان لا تناسبك ، وهنالك الوقت الكافي للنشاط الطبي العلمي والمؤتمرات ، ووقت كافي للمريض ، ووقت كافي وجميل وممتع مع العائلة.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الذي اختار لي الانسب والافضل في الوقت المناسب ، فهو الذي يعلم الغيب ويعلم ما في الصدور. الحمد لله على الحرية ، والهدوء ، والمحبة ، والتعامل الطيب اللطيف ، والوجوه الجميلة الباسمة ، والحقوق الواضحة ، وراحة البال ، والاختيار المناسب في كل شي ، ولكل مجتهد نصيب ، والحياة حلوة بس نفهمها.
اقول عندما يكون انتماءك للوطن ، لن يغيرك الزمان ولا المكان ولا العمل ، والايام تجري بسرعة وتتغير الاحوال ونكبر وتتغير المراحل والمحطات ويبقى الوطن هو الوطن.
التقاعد محطةُ استراحة تُشفي الروحَ مما علقَ بها من مؤثراتٍ وأَحمالٍ يعانى منها الإنسان اثناء العمل مهما كان وضعه ، ويجب الاستمتاع بهذه المرحلة من العمر بعيدا عن المسؤوليات والأعباء والاشخاص السيئين الذين تفرضهم الوظيفة.
التقاعد فرصة مناسبة لإعادة تنظيم الكثير من أمور الحياة، والقيام بأعمال وهوايات لم تسمح بها الارتباطات السابقة أيام الوظيفة.
يجب التخطيط لمرحلة التقاعد حتى يكون الفرد قادراً على قضاء وقته وإدارة حياته بأفضل ما يمكن. الأفراد الذين لم يكونوا مستعدين لهذه المرحلة ، مع إحالتهم للتقاعد قد يدخلوا في حالة قلق واكتئاب ، وبالتالي تصبح حياتهم صعبة ويدخلوا في مشكلات صحية ونفسية.
الموظفون الذين ما زالوا على رأس عملهم وينتظرون فترة التقاعد ، الأفضل أن يخططوا لهذه الفترة ، لأنها قد تأتي فجأة لأي سبب من الأسباب ، وإذا لم يكن الواحد منهم على استعداد لها، فمن الممكن أن يدخل في حالة اكتئاب تؤثر على صحته ولن يستمتع بتقاعده ، ويقضي أغلب وقته بالقلق وبين المستشفيات.
الاشخاص من أصحاب التخصصات والمهن ، مثل الطب يكون التخطيط للمستقبل سهل وهو فقط الاستمرار في المهنة بفتح عيادة او الالتزام مع مستشفى خاص او عام يراعي الطلب الذي يجعل الحياة كريمة ومريحة ويجد الطبيب فيها نفسه ، ويحصل على ما يستحق بالعدل ، وهذا ما يجعل الاطباء لا يكترثون بالبقاء بالوظيفة.
الاحالة مبكرا للتقاعد يعطيك المجال لنجاح اكبر في هذه المرحلة، وتكسب جزءا” اكبر من حياتك لتعيشها براحة اكثر بعيدا عن منغصات عديدة ، انت كسبت خبرة” عظيمة” وتستطيع الان ان تستخدمها لحياتك وتثبت نفسك بقدرتك على الاستمرار وبحرية وبدون اي مثبطات او احباط.
تنفق الدولة على تدريب الكفاءات الطبية اموالا” طائلة وجهدا” كبيرا” وزمنا” طويلا” ، فالطبيب تزيد قيمته بزيادة سنوات عمله وتدريبه وخبرته ، فعندما يكون في أوج عطاءه ، يتم إحالته على التقاعد لمجرد – تغيير الإدارة او – لأمور شخصية او – بسبب اعطاء المسؤول الاحمق صلاحية مطلقة بغياب الرقابة العادلة او المتوازنة وعدم الالتفات إلى المصلحة العامة او الماضي المهني للطبيب وخبراته وانجازاته وأموال الدولة التي صرفت لتأهيله وبنفس الوقت عدم الاكتراث إلى مستقبل المؤسسة وسمعتها؛
وهنا يكون الخاسر فقط هو المؤسسات والدولة؛ اولا”: لانها تفقد رجالها وهم بقوتهم وطاقتهم. وثانيا” لانها سوف تحتاج على الاقل ٢٠ سنة قادمة لامكانية تعويض هذه الكفاءات واعادة سير المؤسسة.
حقيقة” ومن وجهة نظري: التقاعد بداية لحياة جديدة وانت باذن الله في هذه المرحلة باحسن الاحوال ولك من الاصحاب والنفوذ والمال والمعرفة ما يجعلك ويبقيك بهيبتك ووقارك.
بالنسبة لي لن اتوانى عن متابعة التطور الطبي والمهني والإداري في هذه المرحلة من الحياة ، ولن اقصر يوماً في خدمة المرضى ، وسابقى اهتم واتعامل مع المرضى واقربائهم بضمير وانسانية وقدسية وخصوصية واحترام. وسوف ازيد واتوسع واتعمق بتعاملي وتعاوني مع المجتمع الاردني والعربي والعالمي بحرية اكثر وسأهتم بربط العلاقات الدولية الاردنية من خلال المجال العلمي والطبي بمحبة واحترام.
د يوسف العجلوني