المرحوم اللواء زياد النجداوي عندما كان برتبة “رائد”
وكالة الناس –
زياد باشا النجداوي
ابو احمد، الباشا اللطيف، الخلوق، المؤدب، الحازم، عاشق الوطن، زياد باشا النجداوي…
بداية الملتقى كانت في كلية العلوم الشرطية، جامعة مؤتة…
انا تلميذ مرشح وهو المسؤول عنا ، ان لم تخني الذاكرة كان برتبة رائد…
لن ادخل في التفاصيل هنا، ولكنني تعلمت منه كيف أكون ضابطا… وانسانا…
لا استطيع ان احصي عدد الليالي التي خرج فيها من دفء مكتبه ليتاكد ان كل منامة فيها احتياجاتها من الكاز لاستخدام المدفأة… تعلمت منه أن راحة وسلامة من هم ضمن مسؤوليتي تأتي قبل راحتي…
ثم غابت الذكريات لنلتقي في الزرقاء حيث الحزم والقانون سيد الموقف ،… ثم التقينا وهو المستشار العدلي (مدير الشؤون القانونية)… حيث الرحمة عنده قبل القانون… وكان من أكثر المقربين او المحبوبين للباشا نصوح رحمه الله…
ابو احمد رحمه الله كان مدمنا على العمل… لا يكل ولا يمل… عمله في الميدان لا يختلف عن عمله في الادارات المركزية، لا بد أن يكون له منامة ينام بها على الرغم من عدم حاجة طبيعة العمل إلى المبيت… إلى أن تسببت همته العالية ونشاطه المستمر في ارهاق قلبه وكأن المتنبي كان يقصده شخصيا عندما قال:
اذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الاجسام
فقد عانى من وعكة صحية اتعبته ولكنها لم تتمكن من اخماد حماسه ونشاطه… حتى اشفق عليه نصوح باشا… فاستدعاني إلى مكتبه وقال لي بالحرف الواحد… ابو احمد بحاجة إلى الراحة، وأريد تكليفه بادارة شؤون الضباط…
فجاءنا مديرا لإدارة شؤون الضباط… وافتخر بأنه كان يكن لي مودة ومحبة…
كانت أولى تعليماته، بأن يتم تجهيز منامة له… وتم ذلك…
عدد ضباط الأمن العام حينها كان يزيد قليلا عن 3 آلاف ضابط… وكنت احفظهم عن ظهر قلب… كلما سألني عن ضابط كنت اعطيه ملخصا كاملا عنه… سألني: كيف تفعل هذا، فاجبت بأنني قرأت ملفات الضباط كلها… في اليوم التالي، كان يرتدي كمامته (نعم في ذلك الوقت لم يكن هناك كورونا، ولكنه كان يتحسس من الغبار) ويطلب إحضار جميع ملفات الضباط إلى مكتبه… وبدأ بقراءة الملفات… ورقة ورقة… وبدأ بتلخيص كل ملف، وإعداد بطاقة خاصة لكل ضابط…. لم يكن يترك العمل حتى ساعة متأخرة من الليل… وقالها لي بوضوح : لا اريد ان يسألني الباشا سؤالا لا أملك اجابته…
لم يتمكن مرتب الإدارة من مجاراته بالعمل… ولكنه أرهق نفسه.
دخلت اليه يوما مشفقا وقلت له : هل تعلم سيدي لماذا نقلك الباشا إلى شؤون الضباط؟ اجابني: لا.
قلت له (ويا ليتني لم أقل) : حتى ترتاح قليلا.
قال لي: هو قال لك هذا؟ قلت: نعم…. ويا الله كم حزن عندما سمع هذا… لم يكن يريد أن يظهر بمظهر الضعيف (صحيا)…
وخلال عمله بالإدارة، تم تكليفه بالتحقيق بشكاوى أهلنا من معان على اثر حملة امنية ، وكان من حسن حظي ان عملت معه في هذا التحقيق فرأيت فيه جانبا حازم صارما حريصا على مصلحة الوطن… ولكنه بنفس الوقت عادلا لا يرضى الظلم والضيم لاردني حر…
كان يحضر ابنه احمد ويتركه معي في إدارة شؤون الضباط لكي يتمكن من الدراسة بعيدا عن ضوضاء الحي.
اختاره بعدها نصوح باشا لقيادة شرطة العاصمة… وجاءني يوما لاختيار ضباط ليعملوا رؤساء مراكز امنية ، واثناء اختيار الأسماء طلبت منه أن يضع اسمي ضمن الأسماء التي يريدها… فاجابني: نصوح باشا اختارك لإدارة شؤون الضباط، وانا استحي ان اطلب منه شخصا اختاره هو إلى جانبه…… نعم هذه كلمته: استحي…
ابو احمد… كان معلما، ومدربا، وزميلا، ورفيق سلاح…. وصديقا ، واخا كبيرا عزيزا….
رحمك الله يا أبا أحمد واسكنك فسيح جناته… فقدناك، ولا نقول إلا : انا لله وانا اليه راجعون.
من صفحة الصديق