هل يكون مصير كولومبيا مشابهاً لفنزويلا؟
وكالة الناس – صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه كولومبيا ورئيسها غوستافو بيترو، بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس.
وخلال حديثه إلى صحافيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية “إير فورس وان”، أثناء عودته إلى واشنطن من ولاية فلوريدا، وصف ترامب كولومبيا بأنها “بلد مريض جداً (…) تحكمه قيادة مريضة تحب صنع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة”.
وعندما سئل عما إذا كان يفكر في تنفيذ عملية عسكرية ضد كولومبيا، قال ترامب إن ذلك “يبدو أمراً جيداً بالنسبة لي”.
وكان ترامب قد اتهم كولومبيا مراراً بأنها مصدر رئيسي لإنتاج المخدرات التي تصل إلى السوق الأمريكية، قائلاً في أحد تصريحاته: “أسمع أن كولومبيا تصنع الكوكايين… ثم تبيعنا الكوكايين الخاص بها”.
وفي أواخر عام 2025، صعّد ترامب لهجته في ملف مكافحة المخدرات، عندما قال إن أي دولة تهرب مخدرات إلى الولايات المتحدة قد تكون عرضة لهجوم عسكري، من دون أن يستبعد كولومبيا من هذا الطرح، بعدما أثار تحديداً مسألة الكوكايين القادم منها.
كيف ردت كولومبيا؟
أصدرت وزارة الخارجية الكولومبية بياناً رسمياً وصفت فيه تعليقات ترامب بأنها “تهديد غير مقبول ضد رئيس منتخب”، واعتبرتها تدخلاً غير مبرر في الشؤون الداخلية لكولومبيا وانتهاكاً للقانون الدولي.
وأكد البيان أن كولومبيا “ترفض بشكل قاطع أي محاولة للمساس بسيادتها”، مشدداً على أن الحكومة تقف موحدة خلف رئيسها المنتخب في مواجهة هذه التصريحات.
أما الرئيس غوستافو بيترو، فقد رد بدوره في منشور على منصة إكس، نافياً اتهامات ترامب بشأن تجارة المخدرات، ومؤكداً أن تهديد سيادة بلاده يعد “إعلان حرب”.
وقال بيترو إن كولومبيا تدمر “معملاً لإنتاج المخدرات كل 40 دقيقة، من دون صواريخ”، في إشارة إلى اعتماد حكومته وسائل داخلية لمكافحة تجارة المخدرات.
وحذر الرئيس الكولومبي من أن أي عمل عسكري أجنبي ضد بلاده من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وإشعال غضب شعبي واسع، مؤكداً أن كولومبيا دولة ذات سيادة وأن رئيس الجمهورية، وفق الدستور، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وأوضح أنه أمر بإبعاد عدد من ضباط الاستخبارات بسبب “تقديم معلومات كاذبة ضد الدولة”.
وحذّر من أن قصف الجماعات المسلحة من دون معلومات استخبارية كافية قد يؤدي إلى مقتل أطفال، وأن استهداف الفلاحين قد يدفعهم إلى حمل السلاح. وقال إن اعتقاله “سيُطلق غضباً شعبياً واسعاً”.
كما أكد أن أي قائد عسكري يفضّل علم الولايات المتحدة على علم كولومبيا سيُحال فوراً إلى التقاعد.
أبرز محطات تاريخ العلاقة بين البلدين
تتميّز العلاقات الأمريكية – الكولومبية بأنها وثيقة تاريخياً، حيث تعود جذورها لنحو 200 عام. اعتبرت الولايات المتحدة كولومبيا حليفاً استراتيجياً مهماً في أمريكا اللاتينية، وضخت واشنطن مساعدات ماليّة ضخمة في كولومبيا ضمن خطط المساعدات الأمنية ومكافحة المخدرات، وأبرزها خطة “بلان كولومبيا” التي انطلقت عام 2000.
وقد وجه معظم الدعم الأمريكي إلى تعزيز القدرات الأمنية، مع بعض مكونات التنمية والبرامج البديلة للزراعة، وساهم هذا التعاون في تعزيز قدرات الدولة الكولومبية في مواجهة جماعات مسلحة وصراعات داخلية معقدة.
بصورة عامة، ظلت الولايات المتحدة الحليف الدولي الأبرز لكولومبيا على مدى عقود، واستمرت علاقات التعاون الاستراتيجي بين البلدين عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، ولا سيما في مجالات الأمن ومكافحة المخدرات.
وعام 2012، دخل اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكولومبيا حيّز التنفيذ، ما أسهم في تعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين.
بعد عقود من النزاع المسلح، شهدت كولومبيا عام 2016 محطة مفصلية بتوقيع اتفاق سلام مع متمردي “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” (فارك)، أنهى صراعا امتد لنحو نصف قرن. وقد حظي هذا الاتفاق بدعم واضح من الولايات المتحدة، إذ أيدت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما جهود الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس للتوصل إلى تسوية سلمية، في إطار سياسة أميركية داعمة لمسار السلام في البلاد.
وفي عام 2022، منحت الولايات المتحدة كولومبيا صفة “حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)”، حيث وصفها الرئيس الأمريكي جو بايدن بأنها “حجر الزاوية” في شراكة بلاده مع أمريكا اللاتينية، وذلك خلال استقباله الرئيس الكولومبي آنذاك إيفان دوكي في البيت الأبيض.
رغم هذا التاريخ الطويل من التحالف، شهدت العلاقات بين واشنطن وبوغوتا توتراً متصاعداً في السنوات الأخيرة مع تغيّر القيادات والتوجهات السياسية. فقد مثّل وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة في كولومبيا عام 2022 تحولاً عن نهج أسلافه المقربين من الولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بسياسات مكافحة المخدرات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس بيترو، متهمةً إدارته بالفشل في كبح تهريب المخدرات والسماح لعصابات الاتجار بها “بالازدهار”.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن إنتاج الكوكايين في كولومبيا بلغ أعلى مستوياته منذ عقود في ظل رئاسة بيترو، وهو ما نفاه الرئيس الكولومبي، مؤكداً أن حكومته نجحت في وقف توسّع زراعة نبتة الكوكا، وأن ارتفاع المساحات المزروعة بدأ في عهد سلفه إيفان دوكي.
وشملت العقوبات الأمريكية أيضاً وزير الداخلية الكولومبي، إضافة إلى زوجة الرئيس وابنه الأكبر، ومنعتهم من الوصول إلى أي أصول أو ممتلكات محتملة لهم في الولايات المتحدة. كما أعلنت واشنطن سحب تصنيف كولومبيا كحليف في “الحرب على المخدرات”، وهو ما يتيح الحصول على دعم مالي، فيما ردّت بوغوتا بالإعلان عن وقف شراء الأسلحة الأمريكية.
وبرزت الخلافات بشكل خاص حول الضربات الأمريكية لقوارب يُشتبه باستخدامها في تهريب المخدرات في البحر الكاريبي، والتي قالت واشنطن إنها جزء من جهودها لمكافحة التهريب، بينما وصفها بيترو بأنها “أعمال قتل” و”سلوك استبدادي”. ورغم هذا التصعيد، أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستواصل تدريب عناصر مكافحة المخدرات الكولومبيين.
ما هي ثروات كولومبيا الطبيعية والاقتصادية؟
تزخر كولومبيا بثروات طبيعية متنوعة جعلتها من الاقتصادات ذات الوزن في أمريكا اللاتينية. وتمتلك البلاد احتياطات نفطية مهمة، ويبلغ متوسط إنتاجها من النفط الخام في السنوات الأخيرة نحو 750 ألف برميل يومياً، ما يجعلها من المنتجين البارزين في المنطقة.
كما تعدّ كولومبيا من كبار مصدّري الفحم الحراري عالمياً، إذ تمتلك رواسب واسعة تُصدر إلى الأسواق الدولية. وإلى جانب الفحم، تتمتع البلاد بموارد معدنية تشمل الذهب والزمرد، الذي تشتهر بإنتاجه عالمياً، فيما تشهد السنوات الأخيرة اهتماماً بتطوير مشاريع لاستخراج معادن أخرى مثل النحاس، في ظل الطلب العالمي المتنامي عليها.
على صعيد الزراعة، تشتهر كولومبيا عالمياً بإنتاج البن عالي الجودة. فهي ثالث أكبر منتج للبن في العالم بعد البرازيل وفيتنام، وتتراجع إلى المرتبة الرابعة أحياناً بعد إندونيسيا.
ويشكل البن عصباً اقتصادياً مهماً حيث يعتمد مئات الآلاف من المزارعين الكولومبيين على زراعته. كما تزدهر في كولومبيا زراعات أخرى للتصدير مثل الزهور والموز وقصب السكر وغيرها بفضل مناخها المتنوع.
ولا يمكن الحديث عن اقتصاد كولومبيا وثرواتها من دون الإشارة إلى الجانب غير المشروع المرتبط بإنتاج الكوكايين. فبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، تعد كولومبيا من أكبر منتجي الكوكايين في العالم، إذ تنتشر زراعات نبتة الكوكا في مناطق واسعة من أراضيها.
وتشير هذه التقارير إلى أن إنتاج الكوكايين بلغ مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، رغم جهود المكافحة. وقد شكّل هذا النشاط غير القانوني عاملاً مؤثراً في المشهدين الأمني والسياسي في البلاد، ومصدراً دائماً للتوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تضغط على بوغوتا للحد من إنتاجه وتهريبه.
