د. العجلوني يكتب ..رافق السبع وابقَ مع النسور واترك الضبع والغربان

وكالة الناس – كتب د. يوسف العجلوني – لحياة متنوعة : أشكال وألوان ، فيها الحلو والمر ، وفيها الفرح والحزن ، وفيها الجمال والقبح ، وفيها الغريب والمألوف ؛ تتغير وتتبدل.الدنيا دوارة ولا تثبت على حال، والبشر فيها مختلفون في النشأة والأفكار والصفات والظروف والقدرة العقلية والجسمية، والرغبات والمصالح ، والتمكن المالي والأوضاع الإجتماعية والأمزجة والنفسيات.

الناس معادن ولا يعرف بعضهم بعضاً إلاّ في الشدة ، فهنالك من تتوقعهم أقرب الناس ويخذلونك في الوقت الصعب ، وعند أول موقف ، وقد كنت تثق بهم كثيراً وتعلق عليهم كل الأمنيات والآمال ، لذلك نسمع أمثالاً كثيرة مبنية على خلاصة تجارب مريرة وقاسية ، أو صدمات مر بها أشخاص تركت أثراً بالغاً في نفوسهم .

الصّداقة مطلب ضروري وممتع للحياة، يبحث عنها كلُّ حي، وهي تتمثل بعلاقة المودّة والمحبّة والإحترام المتبادل والإنسجام في أمور مختلفة، دون تصنعٍ ولا تكلّف ولا تردد، ولا مصالح أو غايات أخرى.

هنالك شخصيات متعددة حولنا وتختلف عن بعضها البعض بشكل كبير ، ولكل منها ما يميّزها من اختلاف في طريقة الحديث والمزاج والتصرفات والتحصيل العلمي والمهني والعلاقات المادية والمهنية والإجتماعية وطريقة إختيار الأصحاب ونوعياتهم .
فهنالك مثلاً الشخصية العامة التي تمتلك معظم الصفات الإنسانية ، وهنالك الشخصية الإجتماعية التي تتمتع بالصفات التي تجعل أصحابها محبوبين ومرينين ، مقبولين وعفويين، يجيدون الإستماع للمتكلمين المحيطين بتواضع وإصغاء. وهنالك الشخصية القدوة التي تتمتع بمهارات قيادية قوية ، هؤلاء أصحاب قرار ، ويتصرفون برويّة في جميع المواقف ، ويعملون بجد ؛ وهنالك الشخصيات الأنانية التي تهمها المصالح أولاً وآخراً ، وهنالك الشخصية الانطوائية التي تفضل العزلة والابتعاد عن العلاقات الإجتماعية ، وهنالك الشخصية المتذمرة التي لا تتوقف عن الشكوى وتشعر دائماً بالظلم؛ وهنالك أصحاب الشخصية العصبية ذات الطباع الحادة ، هؤلاء سريعو الانفعال ويسهل استثارتهم بأبسط موقف ؛ وهنالك الشخصية العنيدة التي لا تهتم برأي الآخرين ، وتتعامل معهم بقسوة وغلظة؛ وهنالك الشخصية النرجسية والتي تعتبر من أنواع الإضطرابات النفسية حيث يعتبر صاحبها نفسه فوق الجميع ، ولا يتقبل الإنتقادات ، ويشعر بالعظمة، ويهمه فقط حب الذات المفرط والمصلحة الذاتية.

هناك فروق كثيرة بين النسور والغربان حسب الزاوية التي يكون منها النظر؛ فالنسور تختلف من حيث مكان التواجد وبناء الأعشاش إلى طريقة ومستوى إرتفاع الطيران ، وتحمّل نقص الأكسجين ، وقوة البصر ، وطول مدى النظر ، والتصرفات والتعامل مع الظروف والمواقف ، والقدرة على اصطياد الحيوانات والقوارض، ومما لا شكّ فيه أن نظرة النسر للغراب تختلف عن نظرة الغراب للنسر. فالفروق بين النسر والغراب تتشابه إلى حد كبير مع واقع حياة البشر ؛ حيث الفروقات بين الإنسان الناجح والفاشل ، القوي والضعيف ، القادر وغير القادر ، الجيد والسيء ، العزيز والذليل ، المريح والمزعج ، الوفي والمخادع ، الواضح والغامض ، والمفيد والمضر.

الغراب طائر يأكل ويتغذى من فريسة غيره ، وينتظر أحد الحيوانات المفترسة ليصطاد فريسته ، ومن ثمّ يبدأ بمضايقته حتى يترك له الباقي. والضبع يصطاد جماعياً ويعتاد غالباً على أكل الجيف وبقايا صيد وفرائس الحيوانات الأخرى ، وهو يشتهر بغدره لمن آواه صغيراً.

الغراب والضبع يتشاركان في العديد من الصفات السيئة مثل القباحة ، وتخريب المزروعات والثمار ، ومهاجمة الإنسان ، ونبش القبور وأكل الموتى.

الغراب والضبع يتشابهان في صفة نجدها في الحياة لا تتماشى مع الأخلاق البشرية ، وهي التكسب والإستيلاء على مجهود الآخرين واعتبار ذلك مهارةً وذكاءً اجتماعياً ، لا شك ان في الحياة هناك من يعمل ويشتهد ويكد طلباً للنجاح والتقدير المناسب ، ولكن بالمقابل هنالك دائما الغراب والضبع ينتهزان الفرصة للإنقضاض على جهود الآخرين وانجازاتهم دون تردد ، لذلك يجب الحذر من مَن هم بصفات الغراب والضبع ، وإن لم تستطع التصدي لهما فاعمل كالنسر الذي يأخذ ما يقدر ، ويترك الباقي للغربان التي تحوم حوله وتضايقه ، أو كالسبع (الأسد) الذي هيبته فقط تمنع الضباع من الإقتراب منه مؤقتاً ، حتى يترك الباقي باختياره للضباع والغربان.

الإنسان الناجح يفكر ويتصرف بقوة ، ويشعر بإيجابية ، ويؤمن بنجاحه ، وبقدرته على مواجهة كل المعوقات ، وينجذب إليه كل من يشبهه بالصفات ، هو يعرف ماذا يريد ، ويأخذ بالأسباب ، ويُصر على تحقيق النجاح من خلال التنافس الشريف ، ويعمل بكل جد وإجتهاد ، ويتفهم ويعي نتائج تصرفاته وأعماله وأقواله ، يفكر بعواقب كل صغيرة وكبيرة ، ويختار الأشخاص والأحداث والأماكن التي تناسبه؛ يجرب وينتهز الفرص بالمنطق ، ويسعى للتغيير الإيجابي والتطوير والتقدم ، يتمتع بالجرأة والشجاعة ، ويحب من يبادله الحب ، وهو صاحب قرار ، يعمل ما يريد ضمن الأصول دون انتظار آراء الآخرين؛ هو متفائل ، يبحث عن الحياة المناسبة ، فإن لم يجدها قام بصناعتها.

الإنسان الفاشل تكسره أول عقبة صغيرة تقف فى طريقه ، لا يثق بنفسه ولا بقدراته ، يؤمن دائماً بالفشل، ينجذب إليه كل من هو على شاكلته ، وهؤلاء الفاشلون يساعدون بعضهم على الوصول للفشل بأسرع وقت ، فالإنسان الفاشل تائهٌ لا يعرف طريقه ، ينتظر آراء وقرارات الآخرين ، لا يلتزم بما يقول ويعمل ، يترك الحياة تسير به أينما تشاء ، دائماً متذمر وخاضع لما تسير به الظروف والأحداث ، لا يفهم الأولويات في الحياة ، ضعيف الحدس ، لا ينتبه لمكانته المهنية والاجتماعية ، ليس له بصمات فى مجال عمله ، يخاف من التجربة ، ويبقى فى نفس العمل طوال حياته ، ويكون له نفس الأصدقاء والمعارف ، ويذهب لنفس الأماكن ، ويعيش فى نفس المنزل حتى آخر عمره ، يخاف من الجديد والتغيير ، ويرى فى كل فرصة محنة ، يركز على المشاكل والعقبات ولا يحاول حلها أبداً ، فالسلبية جزء من تفكيره وحياته ، متردد حتى عندما يقرر شيئاً يكون قد انتهى الوقت وضاعت الفرص ، يتمسك بمشاعر الحقد والكراهية ، فيكون لديه دوماً حالة من الإضطراب والغضب الداخلى المستمر ، فهو متخاصم مع نفسه ، متشائم على الدوام ، يتوقع دائماً السيء وكل ما هو ضد مصالحه ، فهو لا ينظر إلا إلى النصف الفارغ من الكأس.

لا شكّ أن الإنسان يتأثر بمن يتعامل معه وخصوصاً الأصدقاء ، ويكتسب من أخلاقهم ، ويتبنى أفكارهم ، ويتطبع بأطباعهم ، وحتى طريقة كلامهم ولباسهم ، ولذلك يُعرف الشخصُ من صاحبه ؛ ومن هنا يجب على الإنسان أن يكون حذراً في اختيار أصدقائه، حيث يقول المثل “قل لي من صاحِبُك أقل لك من أنت”.

الصّديقُ الجيدُ الصالح هو شخصُ داعم في كل الأحوال وقدر المستطاع ، مادياً وإجتماعياً ومعنوياً، هو مصدر ثقة ولا يُفشي أسرار صديقه مهما حصل بينهما من مشاكل أو ضغوط ، لا يجرح صديقه أو يتسبب له بالإحراج بأي قول أو فعل، يحترم صديقه في الرأي والأفكار والتطلعات والنتائج.

رفقاء السوء دائماً يجلبون السلبية والشرور إلى من يرافقهم ، متمرسون بالجدال والحقد والكراهية ، لا يحبون السير في الطريق الصحيح ، (لا يرتاحوا ولا يريحوا) . من يعاشر رفاق السوء ، يحاول اتّباع خطواتهم ، ويتسابق معهم في فعل كل ماهو سيء ، ويحاول أن يثبت أمامهم أنه بطل ، وهم يجعلونه يشعر بذلك ، فتزداد راحته بالعلاقة معهم وبقائهم جميعاً في مستنقع يزداد سوءاً مع الايام.

الشخص الكاذب لا يمكن أن يكون صديقاً صالحاً ، وغالباً ما يكون الكذب وسيلةً لتحقيق غاية ومصلحة ، فتجده يكذب ويخدع لتحقيق مصالحه أو الستر على مساوئه أمام الآخرين.

الشخص المخادع يطعن في الظهر حيث لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتباره صديقاً أو أن يكون صاحباً ، وينصح بالتخلص منه قبل أن يسمم حياتك وحياة من حولك ، فلا يوثق فيه أبداً ، وليس له أمان ولا وفاء.

يجب الإهتمام بنوعية الأصدقاء في حياتنا ، لأن هنالك أثر كبير للصديق على السلوك والشخصية وجودة الحياة والمستقبل. الصداقات الجيدة تنعكس بشكل مباشر على راحة البال ، والاستقرار النفسي والإجتماعي.

إن الصداقة الزائفة، والمحبة المصطنعة المبنية على تحصيل المصالح، وجلب المنافع الشخصية تكون هشةً وضعيفةً وغير مستقرة ، فإذا هبت عليها رياح المصلحة ، فرّقتها ومزّقتها ، لأن أساسَها وأصلها غيرُ ثابت.

صاحِب السبع ولو أكلك واترك الضبع ولو حملك؛ السباع هم الناس الذين لا يخذلونك و لا يبتعدون عنك في شدتك ، ولا ينسحبون من حياتك في أشد لحظات الإحتياج إليهم ، بل يبذلون أرواحهم في سبيلك ، والضباع هم الذين يغدرون بك ويستخدمون أقذر أسلحتهم ضدك ، ولن يكون لهم بعد ذلك أمان.

يجب ترك أصحاب السوء والإبتعاد عنهم، لأنهم أصدقاء مصلحة ، ولأنهم يُضعفون ثقتك بنفسك ويعيقون تنفيذك لأهدافك ، ويستنزفونك عاطفياً ومادياً ، ولا يُعتَمد عليهم أبداً ، وسيديرون لك ظهورهم عند الحاجة إليهم .

وأخيراً اقول:
فكر فى النجاح يأتيك النجاح ، فكر فى الفشل تحصل عليه ، وأعلم أن النجاح يحتاج إلى خطة وعمل وجهد وإصرار على تحقيق الأهداف ، والفشل يعنى الإستسلام لتيار الظروف وأصحاب السوء والأوهام والقرارات الخاطئة.
إذا أردت النجاح ، ابحث عن الناجحين ، واصنع مثلما يصنعون ، لتحصل على النتائج الإيجابية ؛ انتبه للأولويات في كل شيء ، هنالك أشخاص يجب أن لا تخسرهم ، وهنالك أشخاص خسارتهم مكسب ، فاذا أردت أن تبقى مع الغربان ، فدع الحياة تسير كما تشاء وكن مع التيار ، ولا تتوقع أن تصل بر الأمان وتشعر بالإستقرار ؛ وستبقى حياتك تتلاعب بها الرياح والظروف الجوية والأيام. كن أنت المسيطر على أمورك الشخصية ، واتخذ القرارات الصائبة، قم بالتغيير فى الوقت المناسب، وحقق أهدافك وطموحاتك براحة وحرية ومتعة ، حافظ على كل شيء حولك ضمن السيطرة ، واعرف طريقك بالحياة. كن شجاعاً ، سر بقوة وإصرار وتفاؤل ، وابقَ مع النسور ، وسوف ترى الحياة أجمل وأسهل، وسوف تستمتع بما فيها من الحب والعطاء.
إن صحبة العقلاء الأخيار المثقفين الصادقين أصحاب الفكر والمعرفة تزيد من الاستقامة والصلاح والمعرفة الطيبة ، وتساعدنا في الوصول إلى أعلى مستويات الرقي والتقدم والنجاح والتي سنقطف ثمارها في الدنيا والآخرة.

د. يوسف العجلوني

قد يعجبك ايضا