40 عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا…جرائم بلا عقاب

وكالة الناس- كتب .رائف الريماوي  – تصادف هذه الايام الذكرى الأربعين لمجزرة صبرا وشاتيلا التي تمت في 16 / أيلول 1982 وراح ضحيتها نحو 3500 مدنيا معظمهم من الفلسطينيين في إحدى أبشع المجازر التي شهدها وشهد عليها التاريخ. كل عام تحصل فعاليات تُذكر بفداحة المذبحة وتطالب بمحاكمة مرتكبيها أمام المحاكم الدولية ومعاقبتهم.

جريمة بلا عقاب.. المتهمون بارتكاب إحدى أكبر جرائم العصر، لم يقدموا للمحاكمة، ولم توجه لهم أية تهمة، بل “كرموا” في مراحل لاحقة بمناصب سياسية. “حزب الكتائب” و”جيش لبنان الجنوبي” و”الجيش الإسرائيلي”، ثلاث جهات تعاونت فيما بينها بتنسيق مسبق في ارتكاب مجزرة وجريمة ضد الإنسانية، ذهب ضحيتها ما بين 3500 شهيدا من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين، أغلبيتهم من الفلسطينيين و من بينهم لبنانيون أيضا، وليس من بينهم مقاتل واحد. صبرا وشاتيلا “صبرا” حي تابع لبلدية الغبيري يسكن الحي نسبة كبيرة من الفلسطينيين، لا يعد مخيما رسميا للاجئين “شاتيلا” مخيم دائم للاجئين الفلسطينيين، أسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949 بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفقوا إليه من قرى عمقا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين بعد عام 1948. أرض المخيم نصفها مؤجر من أونروا، والنصف الثاني ملك لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمخيم معروف بأنه المكان الذي حصلت فيه مذبحة “صبرا وشاتيلا” في ايلول 1982 بالإضافة لأحداث الحرب الأهلية اللبنانية عام 1982 وحرب المخيمات بين عامي 1985 حتى 1987. لا تزيد مساحته عن كيلومتر مربع، ويسكنه أكثر من 12000 لاجئ، وبذلك يكون المخيم من أكثر المناطق كثافة بالسكان، وفيه مدرستان فقط ومركز طبي واحد. الظروف الصحة البيئية في المخيم تعاني من سوء حاد؛ المساكن رطبة ومكتظة، قنوات التصريف مفتوحة، ونظام الصرف الصحي برمته بحاجة إلى صيانة وتوسعة. ووقعت المجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين ، واستمرت بين 16 و18 / أيلول 1982، في وقت كانت لبنان تشهد حربا أهلية (1975ـ 1990).

في تلك الفترة كانت بيروت، ترزح تحت وطأة اجتياح إسرائيلي سهّل للمليشيات المسيحية اللبنانية ارتكاب المجزرة التي راح ضحيتها أيضا مئات اللبنانيين والسوريين. حصلت المجزرة خلال 62 ساعة ، وسط صمت عربي ودولي، مشاهد موثقة لجثث مذبوحة بلا رؤوس، ورؤوس بلا أعين، وأخرى مهشّمة، 4 آلاف شهيد وشهيدة، وآلاف الجرحى. صدر قرار ارتكاب المذبحة عن رافايل إيتان، رئيس أركان الحرب الإسرائيلي، وآرييل شارون، وزير الحرب آنذاك، في حكومة مناحيم بيغن، وتحالفت خلالها قوات الاحتلال مع ميليشيا “الكتائب اللبنانية”.

المخيم مطوَّقاً بالكامل من قبل الاحتلال الإسرائيلي، الذي سهّل وساند دخول الميليشيات، والتي دخلت فجراً إلى المخيم وبدأت بتنفيذ المجزرة بدم بارد، مستخدمةً الأسلحة البيضاء وغيرها من الأدوات في عمليات التصفية الوحشية لسكان المخيمان العُزَّل.

يروي شهود ممن كانوا في المخيم أن إحدى الدبابات الإسرائيلية تقدّمت مسافة أمتار داخل المخيم عبر الشارع الرئيسي فيه، وقد فسّر ذلك على أنه محاولة لمعرفة ما إذا كان هناك مقاومة في داخله، لكنّ الدبابة عادت أدراجها من دون أن تتعرض لأي إطلاق نار. هذه كانت الأرضية التي أعدّت جيداً لدخول الميليشيات اللبنانية للمخيمين، تحركت قوة من 150 مسلحاً كانت تجمعت في مطار بيروت باتجاه الأوزاعي ومن هناك إلى ثكنة “هنري شهاب” التابعة للجيش اللبناني، حيث كانت تتجمع “القوات اللبنانية”، وإلى الشمال قليلاً من الثكنة كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد أقامت مركزاً للرصد والمتابعة. دخلت ثلاث فرق كل منها يتكون من 50 مسلحاً إلى المخيم، وقامت بالإطباق على سكان المخيم، وأخذوا يقتلون المدنيين بلا شفقة ولا هوادة. كان المهاجمون يحطّمون أبواب البيوت ويقتلون من في داخلها من دون أن يقولوا شيئاً، فقد كانوا يطبّقون خطة محكمة تمّ وضعها بهدف القتل لا غيره، وبحسب ناجين من المجزرة فإن المسلحين لم يكتفوا بالقتل بل قاموا بعمليات اغتصاب، ومارسوا عمليات نهب وسرقة، وكانوا يقطعون معاصم النساء المقتولات لنزع الحُلي من أياديهن. قضى المهاجمون على كل شكل للحياة في المخيمين، بناء على شهادة من تبقى من السكان , الأطفال حتى الرضع منهم، لم يسلموا من القتل. وبُقرت بطون النساء الحوامل، وأخرجت الأجنّة منها. استمرت المجزرة حتى اليوم الثاني، كان المهاجمون ينادون سكان المخيمين عبر مكبرات الصوت للاستسلام حتى يسلموا من القتل، ولدى تسليم الأهالي أنفسهم كانت مجموعات من المسلحين تقوم باصطحابهم بشاحنات إلى جهات مجهولة، ولم يعرف مصيرهم منذ ذلك الوقت. جنسيات ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا: 75% فلسطينيون، 20% لبنانيون، 5% من جنسيات أخرى (سوريون، وإيرانيون، وبنغال، وأتراك، وكرد، ومصريون، وجزائريون، وباكستانيون)، وآخرون لم تحدد جنسياتهم. الصحفيون الذي وصلوا إلى الموقع إثر المجزرة افادوا : بأنهم شاهدوا أدلة على عمليات إعدام فوري للشبان, مما رواه أحد الصحفيين المعاصرين الذين شهدوا آثار المجزرة، توماس فريدمان من صحيفة “نيويورك تايمز”، حيث قال: “رأيت في الأغلب مجموعات من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم، صُفُّوا بمحاذاة الجدران، وقُيِّدوا من أيديهم وأقدامهم، ثم حُصدوا حصداً بوابل من طلقات المدافع الرشاشة بأسلوب عصابات الإجرام المحترفة”. وتؤكد كل الروايات أن مرتكبي هذه المجزرة الغاشمة هم من أعضاء ميليشيا الكتائب، وهي قوة لبنانية ظلت إسرائيل تسلحها وتتحالف تحالفاً وثيقاً معها منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975. أعمال القتل ارتكبت في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، الذي أنشأ مركزاً أمامياً للقيادة على سطح مبنى متعدد الطوابق يقع على بعد 200 مترا جنوب غربي مخيم شاتيلا. نتائج تحقيقات لجنة كاهان في /شباط 1983، أوردت لجنة التحقيق الإسرائيلية المكلفة بالتحقيق في الأحداث التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا، وهي لجنة مستقلة تتألف من ثلاثة أعضاء وتعرف باسم “لجنة كاهان” ـ أوردت اسم وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أرييل شارون في نتائج تحقيقها باعتباره أحد الأفراد الذين “يتحملون مسؤولية شخصية” عن مجزرة صبرا وشاتيلا. قرار شارون السماح لميليشيا الكتائب بدخول المخيمين اوضح تقرير لجنة كاهان بالتفصيل الدور المباشر الذي قام به وزير الدفاع السابق أرييل شارون في السماح لأفراد ميليشيا الكتائب بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا؛ فقد شهد الجنرال رفائيل إيتان، رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، على سبيل المثال، بأن دخول ميليشيا الكتائب المخيمين تم بناءً على اتفاق بينه وبين وزير الدفاع السابق أرييل شارون. وفي وقت لاحق توجه شارون إلى المقر الرئيسي لميليشيا الكتائب حيث التقى بعدة أشخاص، من بينهم بعض قادة الكتائب. وأصدر مكتب وزير الدفاع السابق أرييل شارون وثيقة تتضمن “تلخيص وزير الدفاع لأحداث الخامس عشر من /أيلول 1982″، جاءت فيها عبارة تقول: “لتنفيذ عملية المخيمين يجب إرسال ميليشيا الكتائب”؛ كما ذكرت هذه الوثيقة أن “قوات الدفاع الإسرائيلي سوف تتولى قيادة القوات في المنطقة”. وفيما يتعلق بما زعمه وزير الدفاع السابق أرييل شارون في شهادته أمام لجنة التحقيق من أن “أحداً لم يكن يتصور أن ميليشيا الكتائب سوف ترتكب مجزرة في المخيمين”، خلصت لجنة كاهان إلى أنه “من المستحيل تبرير الاستخفاف [أي استخفاف شارون] بخطر وقوع مجزرة”، لأن “المرء لم يكن بحاجة إلى قدرة خارقة على التنبؤ لكي يدرك أن ثمة خطراً حقيقياً لوقوع أعمال القتل، عندما دخل أفراد ميليشيا الكتائب المخيمين دون أن تصحبهم قوات الجيش الإسرائيلي”. اللجنة ذهبت إلى أبعد من ذلك إذ قالت: “نحن نرى أن أي شخص له صلة بالأحداث في لبنان كان لا بد أن تساوره مخاوف من وقوع مجزرة في المخيمين، إن علم أن قوات الكتائب سوف تدخلهما دون أن تتولى قوات الدفاع الإسرائيلي الإشراف والرقابة عليها بصورة حقيقية وفعالة… وتُضاف إلى هذه الخلفية من العداء الذي تضمره الكتائب للفلسـطينيين في المخيمين . خلصت لجنة كاهان إلى: “إذا كان وزير الدفاع لا يظن في واقع الأمر، حين قرر دخول ميليشيا الكتائب إلى المخيمين دون مشاركة قوات الدفاع الإسرائيلي في العملية، أن قراره هذا سوف يؤدي إلى مثل هذه الكارثة التي وقعت، فإن التفسير الوحيد لهذا هو أنه قد تجاهل أي بواعث قلق بشأن ما يُتوقَّع حدوثه لأن المزايا… المراد تحقيقها من وراء دخول الكتائب إلى المخيمين صرفته عن تدبر الأمر كما ينبغي في هذه الحالة”. إذا كان القرار قد اتُّخذ عن علم بأنه ثمة خطراً محتملاً لأن يتعرض له سكان [المخيمين من جراء ذلك]، فهناك التزام قائم باعتماد التدابير التي تضمن الإشراف الفعال والمستمر من جانب قوات الدفاع الإسرائيلي على أفعال ميليشيا الكتائب في الموقع، على نحو يدرأ هذا الخطر، أو على الأقل يحد منه بدرجة كبيرة. ولم يصدر وزير الدفاع أي أمر فيما يتعلق باتخاذ مثل هذه التدابير . واختتمت اللجنة تقريرها بقولها: نحن نرى أن وزير الدفاع ارتكب خطأً جسيماً حينما تجاهل خطر وقوع أفعال انتقامية وسفك للدماء على أيدي ميليشيات الكتائب ضد سكان المخيمين. توصية خرجت بها لجنة كاهان هي أن يُعفى شارون من منصب وزير الدفاع، وأن ينظر رئيس الوزراء آنذاك في إقالته من وظيفته، إذا اقتضت الضرورة. عام 1982 وما سبقه كان فيه الكثير من صفحات الإجرام بحق الشعب الفلسطيني ولكن مذبحة مخيمات صبرا وشاتيلا في ذلك العام بعد مذبحة تل الزعتر 1976 تبقيان الأبرز لقذارة طرق تنفيذ الجرم وضخامة عدد الشهداء وأيضا طبيعة المجرمين حيث تحالف حثالة العرب مع قطعان اليهود فقد كان رئيس الكيان الصهيوني عام 1982 هو المجرم مناحيم بيغن الذي قاد عصابات (الأرجون وشتيرن) في مذبحة دير ياسين عام 1948 ووزير خارجيته المجرم إسحق شامير قائد عصابة شتيرن التي ارتكبت العديد من المجازر بحق الفلسطينيين العزل . هذا التاريخ الإجرامي لم يمنع الرئيس المصري أنور السادات من إقامة سلام مع مناحيم بيغن ولم يمنع الرؤساء العرب من الجلوس مع المجرم إسحق شامير في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. المجرم إيلي حبيقه رجل المهمات القذرة أصبح لاحقا وزيرا في لبنان وقال وقتها “للحرب أحكامها وللسلام أحكامه أيضًا. الحرب توقفت ومهمتي الآن مساعدة اللبنانيين في التغلب على آثارها” وأيضا أصبح لاحقا حليفا قويا للقيادة السورية برئاسة حافظ الأسد التي كانت تدعي دعم المقاومة وهي تساهم في إبادتها وتم استقباله فيها كالأبطال! قبل أن يتم اغتياله لاحقا عام 2002 في وقت كان سيدلي فيه باعترافات في محكمة العدل الدولية تدين إرئيل شارون. السنوات كفيلة بضح المزيد من المعلومات عن تلك الحقبة الزمنية التي تجاوزت فيها ماكينات قتل المدنيين الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان حدود العقل البشري ولا يوجد لها أي تفسير غير أن ذلك الإجرام بكل بشاعته لم يستطع أن يحقق اكثر من قتل الأبرياء لشدة الغل والحقد والكراهية في داخله لأنه فشل في إخضاع الشعب الفلسطيني المقاوم بكل الطرق لاستعادة الوطن المحتل وأن جهودا كبيرة تمت لإخضاع الشعب الفلسطيني باءت بالفشل وأنها لم تكن فقط جهودا من الكيان الصهيوني بل من أعوانه من العرب وتشاء الأقدار أن يبقى الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة عصي عليهم ومؤمنا بعدالة قضيته وقدسيتها . لشهداء مخيمات صبرا وشاتيلا وكافة شهداء الامة المجد والخلود, ولمن ارتكب تلك المذابح الذل والعار الدائم , أسقطت صبرا وشاتيلا ومن قبلها تل الزعتر الغطاء عن وجوهكم القبيحة وقلوبكم التي لا تحمل شيئا من القيم الإنسانية.

قد يعجبك ايضا