بين الرقابة والاستعراض… عندما تُختطف الملفات الوطنية لصناعة بطولة وهمية
وكالة الناس _ خاص
في السياسة، هناك فرق كبير بين النائب الذي يمارس دوره الرقابي بجدية ومسؤولية، وبين من يحاول تحويل كل ملف وطني إلى منصة شخصية للاستعراض، وكأن الدولة لم تكن تعمل، والمؤسسات لم تكن موجودة، والجهود المتراكمة لا تبدأ إلا عند لحظة ظهور إعلامي أو منشور على وسائل التواصل.
ملف البرنامج الوطني للعمل اللائق في الأردن واحد من هذه الملفات التي لا يجوز اختزالها أو تشويه حقيقتها. فهذا البرنامج، ليس وليد اللحظة، ولم يظهر فجأة بسبب سؤال أو استجواب أو ضجة عابرة، بل هو مسار وطني بدأ منذ نحو عشرين عامًا، بالشراكة مع منظمة العمل الدولية، وامتد عبر مراحل وبرامج متعاقبة خلال أعوام 2006–2009، و2012–2015، و2018–2022، وما يزال مستمرًا ضمن إطار مؤسسي واضح.
لكن اللافت أن بعض الخطاب النيابي، وتحديدًا القادم من زاوية حزبية إسلامية، حاول تقديم هذا الملف وكأنه كان مدفونًا في الأدراج، ولم يتحرك إلا بفعل استجواب فردي. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الرقابة النيابية شيء محترم ومطلوب، أما نسب الجهد الوطني الممتد إلى بطولة شخصية فهو أمر يربك الرأي العام، ويشوّه الحقائق، ويختزل عمل الدولة ومؤسساتها في لقطة إعلامية عابرة.
ليس عيبًا أن يسأل النائب، ولا أن يستجوب، ولا أن يضغط باتجاه تحسين الأداء الحكومي. العيب أن تتحول الرقابة إلى استعراض، وأن يُقدَّم المسار المؤسسي الطويل وكأنه إنجاز شخصي مستحدث. فالبرنامج الوطني للعمل اللائق لم تبدأ فكرته أمس، ولم يولد تحت القبة، ولم يكن بحاجة إلى رواية سياسية تمنحه شهادة ميلاد جديدة. ما حدث أن ملفًا قائمًا منذ سنوات طويلة جرى توظيفه إعلاميًا بطريقة توحي للناس بأن البلاد كانت غائبة تمامًا عن هذا الالتزام، وهذا تبسيط مخلّ، وفيه قدر واضح من التضليل السياسي.
الأردنيون لا يحتاجون إلى معارك استعراضية حول من “اكتشف” العمل اللائق، بل يحتاجون إلى نقاش جاد حول البطالة، وبيئة العمل، وعدالة الأجور، وحقوق العمال، وتنظيم سوق العمل، وحماية العامل الأردني. وهذه القضايا لا تُحل بمنشور، ولا ببث مباشر، ولا بخطاب يبحث عن التصفيق، بل بسياسات عامة، وتشريعات، ومتابعة تنفيذية، وتعاون حقيقي بين الحكومة ومجلس النواب والنقابات وأصحاب العمل.
ومن هنا، فإن محاولة تصوير البرنامج الوطني للعمل اللائق كأنه نتيجة مباشرة لتحرك نيابي فردي ليست قراءة دقيقة، بل محاولة لصناعة رصيد سياسي على حساب الحقيقة. فالوزارة نفسها أوضحت أن المسار بدأ منذ عشرين عامًا، وأنه مر بمحطات متعددة قبل هذا السجال الأخير. وهذا وحده كافٍ لإسقاط رواية “أنا حرّكت الملف”، أو على الأقل لكشف هشاشتها أمام الوقائع.
الأخطر أن هذا النوع من الخطاب لا يخدم العامل الأردني، بل يحوّل قضيته إلى مادة للمزايدة. فبدل أن يكون العامل هو مركز النقاش، يصبح النائب أو النائبة هو محور القصة. وبدل أن نسأل: ماذا تحقق؟ وما المطلوب؟ وكيف نحسن سوق العمل؟ ينشغل الرأي العام بسؤال آخر: من صاحب الفضل؟ ومن ظهر أكثر؟ ومن سجّل نقطة سياسية على الحكومة؟
الرقابة النيابية الحقيقية لا تحتاج إلى تضخيم الذات، ولا إلى محو تاريخ المؤسسات، ولا إلى تجاهل الجهود السابقة. النائب القوي هو من يبني على الموجود، يكشف الخلل بدقة، ويضغط باتجاه التنفيذ، لا من يعيد تقديم برنامج قائم منذ عقدين وكأنه وُلد من رحم استجوابه.
في النهاية، من حق أي نائب أن يراقب الحكومة، بل هذا واجبه. لكن ليس من حق أحد أن يستغل ملفًا وطنيًا ممتدًا ليصنع بطولة وهمية، أو أن يقدّم للرأي العام صورة ناقصة توحي بأن الدولة لم تتحرك إلا بعد صوته. فالحقيقة أبقى من الاستعراض، والملفات الوطنية أكبر من أن تُختطف لحساب لحظة سياسية عابرة.