البروفيسور جبريل الطورة يكتب: فواجع أسرية.. أطفال يدفعون الثمن
وكالة الناس –
كتب . البروفيسور جبريل الطورة
من الرمثا إلى الكرك، تتكرر الصدمة ويبقى السؤال: من يحمي الأطفال في الأزمات الأسرية؟.
ما بين فاجعة الرمثا قبل شهور، وفاجعة الكرك التي صدمت الأردنيين، يتكرر السؤال المؤلم: كيف يصبح الأطفال، وهم أضعف حلقات الأسرة، ضحايا لأزمات لا يد لهم فيها؟.
الخلافات الزوجية موجودة في كل مجتمع، وغالبًا ما تبدأ عندنا داخل دائرة ضيقة لا يعلم بها سوى أهل الزوج وأهل الزوجة، على أمل الإصلاح وحماية الأسرة من التفكك.
وهذا الدور العائلي قد يكون مفيدًا في الخلافات العادية، لكنه يصبح غير كافٍ عندما تتحول الأزمة إلى تهديد، أو عنف، أو اضطراب شديد، أو رغبة في الانتقام.
المشكلة ليست في تدخل الأهل، بل في الاكتفاء به عندما تظهر مؤشرات الخطر. فالأهل قد يملكون حسن النية والرغبة في الإصلاح، لكنهم لا يملكون دائمًا أدوات التقييم النفسي والقانوني، ولا القدرة على تقدير مستوى الخطر على الأطفال.
لذلك نحن بحاجة إلى آلية واضحة لحماية الأطفال في الأزمات الأسرية الحادة؛ آلية لا تلغي دور العائلة، ولا تستدعي الدولة في كل خلاف بسيط، لكنها تتدخل عندما تصبح سلامة الطفل مهددة.
عندها يجب أن تكون هناك جهة مختصة قادرة على تقييم الحالة بسرعة، وتنظيم الرؤية أو الحضانة أو انتقال الأطفال بما يضمن سلامتهم، حتى لو اقتضى الأمر أن تكون الزيارة في مكان آمن أو تحت إشراف مختص.
وهنا يبرز أيضًا دور دور العبادة، من مسجد وكنيسة، بوصفها مؤسسات قريبة من وجدان الناس وحياتهم اليومية، فالخطاب الديني الواعي يستطيع أن يعزز حرمة النفس، وقدسية الأسرة، وحق الطفل في الأمان، وأن يشجع المتخاصمين على طلب النصح والإرشاد بدل ترك الغضب يتفاقم في الخفاء.
كما يمكن لأئمة المساجد ورجال الدين في الكنائس، بالتعاون مع المختصين، أن يكونوا جزءًا من منظومة تنبيه مبكر عندما يشعرون بأن الخلاف الأسري تجاوز حدوده الطبيعية وأصبح يهدد سلامة الأطفال.
في كثير من الدول، لا يُترك الطفل شأنًا عائليًا خاصًا إذا كان في دائرة الخطر، بل تتدخل مؤسسات الحماية، والصحة النفسية، والمدرسة، والجهات القانونية قبل وقوع الكارثة، وهذا ما نحتاج إلى ترسيخه لدينا: التدخل لحماية الطفل ليس فضيحة، وطلب المساعدة النفسية أو الأسرية ليس عيبًا.
من الرمثا إلى الكرك، لا يكفي أن نحزن ونغضب بعد كل فاجعة، المطلوب أن نسأل: هل كانت هناك إشارات خطر؟ ومن كان يمكنه التدخل؟ وهل لدينا نظام يحمي الطفل قبل أن يصبح ضحية؟
الأطفال ليسوا طرفًا في خلافات الكبار، ولا وسيلة ضغط في نزاعاتهم. إنهم أمانة في أعناق الأسرة والمجتمع والدولة. والطفل لا يحتاج إلى دموعنا بعد الفاجعة بقدر ما يحتاج إلى آلية تحميه قبلها.
رحم الله الضحايا الأبرياء، وحمى الله أطفالنا ووطننا من كل فاجعة توجع القلب وتهز الوجدان.