عاجل

كيف أسقطت طهران (المفخرة الجوية) الأميركية

وكالة الناس -في تطور لافت ضمن النزاع العسكري الجاري في منطقة الشرق الأوسط، أعلنت مصادر أمريكية وإيرانية -أمس الجمعة- سقوط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز “إف-15 إي سترايك إيغل”، داخل الأراضي الإيرانية، وإصابة مروحيتين، كما تحدثت أنباء عن تحطم مقاتلة أمريكية أخرى.

وفي حين أكدت مصادر أمريكية إنقاذ أحد الطيارين، ما زال البحث جاريا عن الطيار الثاني وسط غموض بشأن مصيره.

ويمثل هذا الحادث أول إسقاط لطائرة أمريكية منذ بداية التصعيد الحالي، ويعيد طرح التساؤل حول مدى سيطرة الولايات المتحدة على الأجواء الإيرانية، بعد تأكيدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووزير دفاعه بيت هيغسيث بأن بلادهما تمتلك تفوقا جويا مطلقا في سماء إيران.
ما الذي حدث؟

بحسب الخبير العسكري الأردني اللواء المتقاعد هلال الخوالدة فإن إسقاط الطائرة الأمريكية من نوع “إف-15” فوق الأراضي الإيرانية أمر ليس مستحيلا رغم صعوبته، نظرا لوجود الرادارات الحرارية وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية المتطورة.

وأوضح الخوالدة في تصريح له أن الطائرة الأمريكية ربما اقتربت من سطح الأرض لتنفيذ ضربات دقيقة على أهداف معينة داخل إيران، لافتا إلى أن طهران تمتلك منظومة دفاع جوي محلية بقدرة اشتباك تتراوح بين 200 و300 كم، مماثلة لنظام S-300 الروسي.

وأضاف أن احتمال الخلل الفني أو الخطأ البشري في طائرة “إف-15” الأمريكية لا يمكن استبعاده، خصوصا مع توغل الطلعات الأمريكية الأخيرة نحو العمق، مما يجعل مواجهة وحدات الدفاع الجوي والتقنيات الحديثة أمرا محتملا.
السيطرة الجوية

بدوره، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إن إسقاط مقاتلة أمريكية في الأجواء الإيرانية يعيد طرح تساؤلات جوهرية عن حقيقة السيطرة الجوية التي أعلنتها واشنطن، ويكشف عن ثغرات محتملة في التقديرات العملياتية التي بُنيت على فرضية تحييد الدفاعات الإيرانية بالكامل.

وأوضح أن إسقاط الطائرات الحربية يعتمد على منظومات دفاع جوي صاروخي متكاملة، ترتكز على الرادارات لرصد الأهداف الجوية، ثم توجيه الصواريخ لاعتراضها بدقة، مشيرا إلى أن أي خلل في تقدير فاعلية هذه المنظومات قد يؤدي إلى مفاجآت ميدانية غير محسوبة.

وأضاف أن التقديرات الأمريكية كانت تفترض تدمير معظم قدرات الدفاع الجوي الإيراني، مما أتاح الحديث عن تفوق جوي شبه مطلق، غير أن الحادثة الأخيرة تضع هذه الفرضية موضع اختبار عملي، خاصة مع بروز مؤشرات على استمرار بعض القدرات الدفاعية.

وأشار جوني إلى أن المقاتلة التي سقطت يرجَّح أنها من طراز “إف-15 إي”، وهي طائرة ثقيلة مقارنة بـ”إف-35” الشبحية، مما يجعلها أكثر عرضة للرصد بسبب بصمتها الحرارية الأكبر، خصوصا عندما تكون محملة بذخائر ثقيلة لتنفيذ ضربات دقيقة.

وبيّن أن هذه الطائرات رغم تجهيزها بأنظمة حرب إلكترونية متقدمة، فإنها قد تضطر إلى الطيران على ارتفاعات منخفضة عند استهداف أهداف حساسة، وهو ما يضعها ضمن نطاق منظومات الدفاع الجوي التي ربما لا تزال فاعلة أو أعيد تشغيلها.
أنظمة دفاعية

ولفت إلى أن إيران تمتلك مزيجا من الأنظمة الدفاعية، بينها “إس-300″ الروسية و”خرداد 15” المحلية، إضافة إلى أنظمة تعمل بالأشعة تحت الحمراء مثل “مجيد”، وهي تقنيات تقلل الاعتماد على الرادارات وتزيد من صعوبة كشفها من قبل الطائرات المعادية.

وتعزز هذه الفرضية معطيات ميدانية أظهرت انفصال مقعد قذفي من الطائرة، مما يشير إلى نجاح أحد الطيارَين في القفز، وهو ما يتقاطع مع إعلان واشنطن إنقاذ أحد أفراد الطاقم، بينما يبقى مصير الآخر غير محسوم حتى الآن.

واعتبر جوني أن إسقاط طائرة من هذا النوع لا يُعد حادثا تكتيكيا فحسب، بل يحمل دلالات إستراتيجية تتعلق بقدرة إيران على تحدي التفوق الجوي الأمريكي، خاصة أن العمليات الجوية تمثل الركيزة الأساسية في هذه الحرب.

وفي المقابل، تتواصل عمليات البحث عن الطيار الثاني وسط مخاوف من وقوعه في الأسر، لا سيما بعد إعلان طهران عرض مكافأة لمن يدلي بمعلومات عنه، وهو ما يضيف بعدا نفسيا وإعلاميا إلى المواجهة الميدانية.
بيئة قتالية معقدة

وأوضح أن الحادثة لا تقلل من أثرها العملياتي، بل تشير إلى أن بيئة القتال لا تزال معقدة وقابلة للمفاجآت، مما قد يدفع واشنطن إلى إعادة تقييم تكتيكاتها الجوية وارتفاعات الطيران ونوعية الأهداف.

وفي تطور موازٍ، تحدثت وسائل إعلام أمريكية عن نشر قاذفات “بي-52” فوق إيران، في خطوة تعكس تحولا عملياتيا نحو استخدام القوة النارية الثقيلة لضرب أهداف عميقة ومحصنة دون تعريض المقاتلات لمخاطر مباشرة.

وفسر جوني هذا التحرك بأنه محاولة لتعويض أي خلل في السيطرة الجوية، حيث تتمتع هذه القاذفات بقدرة على حمل أوزان ضخمة من الذخائر وتنفيذ ضربات متعددة من ارتفاعات عالية، مع تقليل احتمالات التعرض لمنظومات الدفاع الجوي.

وأكد أن مستقبل العمليات يرتبط بطبيعة التهديد الإيراني، فإذا كانت الدفاعات الجوية قد استعادت فعاليتها، فإن ذلك سيؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك، أما إذا كان الحادث معزولا فقد يبقى تأثيره محدودا، لكنه يحمل رسائل تحذيرية واضحة.

وختم بأن الجنوب الإيراني -خاصة محيط مضيق هرمز– يمثل مركز ثقل العمليات الحالية نظرا لأهميته الإستراتيجية، واحتمال أن يكون مسرحا لتصعيد أكبر في حال استمرار قصف الأهداف الحيوية في تلك المنطقة.