صحف غربية: خيارات ترمب في إيران جميعها سيئ وصعب
وكالة الناس -بعد ثلاثة أسابيع من الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتضح ملامح مأزق إستراتيجي طويل الأمد، حيث تواجه الولايات المتحدة قوة إقليمية أقل منها، دون أهداف واضحة أو إستراتيجية خروج قابلة للتطبيق.
هذا ما ورد في تقارير لمجلتي إيكونوميست البريطانية وفورين أفيرز الأمريكية وصحيفة إندبندنت البريطانية.
في مجلة فورين أفيرز، أشار إيلان غولدنبيرغ، نائب الرئيس الأول وكبير مسؤولي السياسات في مؤسسة “جيه ستريت”، إلى أن هذا الصراع يمثل نسخة مختلفة من المستنقع الذي عانت منه واشنطن في أفغانستان والعراق وفيتنام، حيث تكبّدت الولايات المتحدة تكاليف باهظة على الصعيد الاقتصادي والبشري، ولم تحقق أهدافها السياسية بشكل حاسم.
ويوضح غولدنبيرغ أن الاختلال في موازين القوى يصب في صالح الطرف الأضعف، إذ يمكن لإيران تحقيق “نصر” بمجرد البقاء وإلحاق خسائر محدودة لكنها مؤثرة بالاقتصاد العالمي والأسواق النفطية.
حدود القوة الأمريكية
وكشف سام كيلي، محرر الشؤون الدولية في صحيفة إندبندنت، عن حدود القوة الأمريكية عندما منح ترامب فترة “توقف” لمدة 5 أيام عن تهديد تدمير نظام الطاقة الإيراني.
وأضاف كيلي أن هذا التوقف منح ترمب فرصة لإعادة التفكير في كيفية الخروج من المأزق الذي وضعته له طهران، وهو مؤشر واضح على أن القوة الأمريكية ليست مطلقة كما يفترض ترمب.
وردّت إيران، وفقا لكيلي، على تهديد ترمب بشكل مدروس، مؤكدة أن أي هجوم على منشآتها سيواجه ردا مماثلا، سواء على محطات الطاقة أو مضيق هرمز أو المنشآت الحيوية لدول المنطقة.
وقال إن طهران حاولت تعديل خطابها لتجنب اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وهو ما يُظهر فهم النظام الإيراني العميق لقيود الحرب وحرصه على استغلال التهديد الأمريكي لكسب الوقت وإظهار التفوق الأخلاقي.
أربعة خيارات جميعها سيئ
ويحدد جيسون بالمر وغريغ كارلستروم من مجلة الإيكونوميست أربعة خيارات أمام ترمب، ويصفون هذه الخيارات بأن جميعها سيئ، وهي: الحوار، أو الانسحاب، أو الاستمرار في الحرب، أو التصعيد.
ويرى بالمر وكارلستروم أن الحوار صعب بسبب انعدام الثقة وتباعد المطالب، بينما الانسحاب قد يترك إيران مسيطرة على مضيق هرمز، مستمرة في تهديد الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة.
والاستمرار في الحرب قد يقلل الهجمات الإيرانية جزئيا لكنه لن يحقق نصرا حاسما، أما التصعيد فيحمل مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى فوضى إقليمية وحرب مفتوحة.
اليورانيوم وخارك وجماعات المعارضة
أما غولدنبيرغ، في فورين أفيرز، فقد أشار إلى أن أي محاولة أمريكية للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب في أنفاق أصفهان ستكون معقدة وخطرة للغاية، وتتطلب عمليات برية واسعة، مع مواجهة مباشرة لعشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين في مواقع محصنة.
كذلك، الهجوم على جزيرة خارك، الممر الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، ينطوي على مخاطر عالية، إذ قد يؤدي إلى تصعيد إيراني يعطّل الأسواق العالمية، كما أظهرت الردود الإيرانية على الضربات السابقة في حقل غاز جنوب فارس.
حتى دعم الولايات المتحدة لجماعات المعارضة الداخلية في إيران، بما في ذلك الأكراد والبلوش وفصائل أخرى، وفقا لغولدنبيرغ، يحمل مخاطر إشعال حرب متعددة الأطراف، مع تدخل تركيا وباكستان ودول أخرى، مما يخلق بيئة فوضوية لا يمكن السيطرة عليها، وهو ما سيكون كابوسا إستراتيجيا للولايات المتحدة.
صمود إيران يفاجئ أمريكا
واستمر غولدنبيرغ ليقول إن الولايات المتحدة فوجئت بصمود النظام الإيراني رغم اغتيال قادته، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، وتعيين نجله مجتبى خامنئي كخليفة له، مما عزز نفوذ العناصر “المتشددة” داخل النظام، وجعل أي تغيير داخلي سريع أمرا شبه مستحيل.
وأضاف أن المحاولات الأمريكية لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية التقليدية، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، لم تمنع طهران من تهديد المنشآت الحيوية أو تعطيل المرور عبر مضيق هرمز.
وذكر أن التاريخ الأمريكي في العراق وأفغانستان وفيتنام يظهر أن التصعيد العسكري عادة ما يزيد التعقيد الإستراتيجي ويصعّب السيطرة على الوضع، مع ارتفاع التكاليف البشرية والاقتصادية، دون تحقيق نصر سياسي واضح.
ويقول إن تجربة العراق أظهرت أن الاحتلال الأمريكي خلق بيئة لصعود الجماعات المسلحة، بينما أعادت تجربة أفغانستان التأكيد على صعوبة مواجهة التمرد دون سيطرة شبه كاملة على الأراضي والأمن المحلي.
الخيار الأكثر حكمة
ويؤكد غولدنبيرغ أيضا أن الخيار الأكثر حكمة الآن هو خفض التصعيد وإدارة الأضرار. يشمل ذلك إعلان أن الأهداف العسكرية الأساسية قد تحققت، مثل إضعاف القدرات الإيرانية المحددة، مع تأكيد عدم دعم هجمات مستقبلية إلا إذا هاجمت إيران شركاء واشنطن الإقليميين أو استأنفت برنامجها النووي.
وقال إن هذا النهج قد يتيح للمجتمع الدولي الضغط على إيران لتقليل التصعيد، ويحد من المخاطر الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها.
وأوضح أن المعارك الجوية والبحرية والضربات المحددة لن تُطيح بالنظام الإيراني الراسخ، ولن تُعطل القدرات التقليدية لطهران بشكل كامل.
وأكد أن إيران تحتاج فقط لإبقاء مستوى محدود من الهجمات لتثبت فشل الهدف الأمريكي في تحسين الأمن الإقليمي، وهو هدف أقل طموحا من تغيير النظام.
والهجمات المتقطعة على مضيق هرمز أو المنشآت النفطية والخدمية، وفقا لغولدنبيرغ، كفيلة بإحداث تأثير اقتصادي ونفسي كبير على الولايات المتحدة وحلفائها، وحتى اعتراض 90% من الهجمات الإيرانية قد يترك 10% متبقية، وهي كافية لتغيير موازين السوق والمناخ السياسي.
ويرى الكُتاب في المصادر الثلاثة، أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في حرب دون خيارات جيدة، حيث إن أي مسار عسكري مباشر أو غير مباشر محفوف بالمخاطر، والتصعيد قد يؤدي إلى فوضى مستمرة، بينما الانسحاب الكامل يترك إيران مسيطرة وقادرة على تهديد مصالح واشنطن.
ويؤكدون أن الخيار الأكثر منطقية هو وقف المزيد من التصعيد وإعادة تقييم إستراتيجية الحرب، مع محاولة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي، قبل أن يتحول صراع محدود إلى مستنقع طويل الأمد يصعب الخروج منه.
