د. العجلوني يكتب .. اطلاق زامور السيارة بدون سبب قلة أدب
اطلاق زامور السيارة بدون سبب قلة أدب: فيه تلوث بيئي ضوضائي، واستفزار لشعور الآخرين وعدم احترام لظروفهم
كتب د. يوسف العجلوني
الزامور في غير مكانه له تأثيرات سلبية كثيرة، حيث أن الاستخدام المفاجئ للزامور قد يسبب حالة من الإرباك والفزع والخوف والصدمة لدى السائقين، وقد يسبب أيضاًً فقدان السيطرة على المركبة، وذعر المشاة مما يؤدي إلى الحوادث، وخاصة إذا كان السائق من المبتدئين أو سيدة. والزامور قد يتسبب بالمشاكل والمشاجرات خاصة خلال الوقوف في شارع مزدحم، وعندما يكون التزمير مستفزاً بشكل متواصل، مما يؤدي ذلك بأحد الأطراف إلى النزول من المركبة ليعتدي على الآخر بالكلام أو بالضرب الذي قد يتسبب بالكسور أو حتى الوفاة.
الزامور بدون سبب يعكس مستوى الثقافة المجتمعية والأخلاق والأدب والتربية، وتظهر التصرّفات المشينة والمخزية عند قليلي الذوق والأخلاق، وذلك يعبر عن طريقة العيش والخيبة والعقد النفسية والإحباط عند البعض، والذي يدفع السائق بالتصرف بانزعاج ومزاج سيء وغضب في استخدامه للزامور، ولا يهمه ما يسببه للآخرين من إزعاج وإرباك أثناء القيادة، ويعتقد أن له الحق بذلك، ويطبقه بالأسلوب الذي يراه مناسباً.
هنالك في ولاية فيكتوريا في أستراليا، حيث أنني عشت في ملبورن لمدة سنتين، يوجد اهتمام كبير في توفير بيئة سليمة، خالية من الإزعاج والتلوث الضوضائي، وهناك حرص كبير في فرض جو من الهدوء والراحة، واحترام الأولويات، حيث يسعون إلى توفير أماكن عيش صالحة ومريحة للإنسان والحيوان. لذلك من قوانين قيادة السيارات عندهم: “يُمنع على السائقين قطع الطريق على قطيع من الحيوانات، أو توجيهها بعيدًا عن الطريق، ويُمنع التزمير لها، بل يجب على السائقين إطفاء المحرك والانتظار حتى يتحرك القطيع من تلقاء نفسه”، لأن هذه الحيوانات تنزعج جداً من زامور السيارات وتشعر بعدم الاحترام، وبعضها ينزعج أيضاً من صوت المحرك.
في إيطاليا، “إذا سمعوك بتزمر، بنزلوك من السيارة”، إذ يعتبرون ذلك إهانة، وقد تتعرض للضرب والتوبيخ إذا تماديت في استخدام الزامور، وإذا تجاوز الأمر أكثر من ذلك، فمن الممكن أن تدخل السجن، واعتبار ذلك قليل عليك، والناس والشرطة ضدك.
في الصريح أحسن حل: تزميرة واحدة فقط، يتبعها نظرة غضب واستنفار من السائق اللي أنت زمرت إله، وإذا أنت عدتها وزمرت مرة ثانية، أو زمرت مرتين وراء بعض من البداية، هذا يكون بمثابة انذار نهائي، والعقوبة عندئذ ستكون صعبة جداً، “رح تاخذ اللي فيه النصيب: مع أو بدون تكسير السيارة، وما رح تلحق تشتكي.
لقد تم اختراع زامور السيارات في عام ١٩٠٨م في أمريكا، وبعدها في ألمانيا عام ١٩١٤، بقصد التحذير وكوسيلة أمان. وفي بدايات استخدامه في السيارات كان الهدف من الزامور هو تنبيه الأبقار بطريقة ناعمة ولطيفة لإبعادها عن الطريق، حفاظاً على سلامتها، وإضفاء الشعور بالاحترام، وأيضاً لتنبيه السائقين والمشاة من أي خطر وشيك. ولم يُصنع الزامور لعمل ضوضاء، ولا لحل المشاكل، ولا للتعبير عن الشعور بالاستعجال والغضب، ولا لتربية وتخويف مستخدمي الطريق.
في الأردن، بعض السائقين يضع يده على الزامور طول الطريق، ويبدأ يراقب ويصحح الناس، ويعبر عن رأيه وما في داخله من خلال إطلاق الزوامير بشكل متكرر، “على الفاضي والمليان، وعلى الطالع والنازل”، إلى درجة تستفز الحجر؛ زامور قبل ما تفتح الاشارة الضوئية، وعندما تفتح وبعد ما تفتح، وعلى الدوار وعلى المنعطفات، واذا كان شرطي ينظم المرور، وعندما تتوقف سيارة فجأه أمامه لأي سبب، وعند تغيير الاتجاه، وعلى التقاطعات، وأحياناً للتحية والسؤال عن الصحة والشوق والشكر والامتنان، وأحياناً للعتب والشتم والاستنكار، وأحياناً “إظهار الاستظراط وعدم الاكتراث”، وزامور لتحميل الركاب، وعند التجاوز من اليمين أو الشمال، وزامور لحث الآخرين لزيادة السرعة، وزامور انتهاء الزيارة، وفي الأعراس ونجاح التوجيهي وتخريج الجامعات، وعند فوز فريق كرة القدم، وزامور الغزل إذا كانت بنت ماشية بالشارع، وزامور للرد على مزمر آخر، وزامور باص المدرسة، وزامور سيارة الغاز. ومن اسوأ الزوامير إذا كان في السيارة طفل، فيكون الزامور وسيلة ترفيه وتسلية، وإذا غضب الولد وبكى فإن أفضل وسيلة لتسكيته وترضيته هي دعوته أن يزمّر هو بنفسه، ويستمر بالتزمير، وأبوه وأمه مبسوطين وفرحانين من إنجاز الطفل وذكائه الخارق في طريقة استخدام الزامور.
طول الزامور وتقطعاته وطريقة التكرار وعدد المرات وقربها من بعض وشدتها تعبر عن كلمات وصفات لمن يطلق عليه الزامور؛ مثلا زامور الوصول والمغادرة والتحية والانذار بان تتحرك يكون ضغطة واحدة قصيرة. أما زامور المسبّة التي تظهر من زامور واحد شديد وطويل كأنه يقول “امشي اتحرك” او “انقلع”. وإذا كان الزامور ضغطتين وراء بعض مباشرة، فكأنه يقول “اقلب وجهك”، وإذا كان ضغطتين والثانية طويلة كأنه يقول “حماااار”، واذا ثلات ضغطات متساوية وقصيرة امشي يا غبي وحمار، وإذا كان ثلاث ضغطات متتالية والأخيرة طويلة كأنه يقول “حقير ونذل كمان”. وإذا كان الزامور أربع ضغطات أو أكثر كأنه يقول “وقف إذا إنك زلمة”.
الزوامير لها أضرار صحية عديدة مثل: الفزع والتوتر والصداع والقلق، وضعف التركيز واللخمة والتشويش وإثارة الغضب، كما انها تسبب أمراض للأذن مثل ضعف السمع وطنين الأذن، وتسبب اضطرابات النوم، وارتفاع ضغط الدم وتسارع نبضات القلب والجلطات الدماغية. والزوامير لها أضرار نفسية مثل زيادة العدوانية والنرفزة أثناء القيادة، والتوتر المجتمعي، والاكتئاب، الذي قد يصل إلى ٢٩ %، ونزول في مستوى وجودة الحياة في المناطق المزدحمة.
الإفراط في استخدام الزامور يُفقده أهميته وقيمته التحذيرية التي صنع من أجلها، وقد يؤدي إلى أضرار بيئية واجتماعية: مثل التلوث الضوضائي المستمر الذي يشتت الانتباه ويقلل الإنتاجية، وعندما يعود الإنسان إلى البيت يكون مُستَفَزاً ويعاني من ثقل في الرأس، وبالتأكيد سوف يؤدي ذلك إلى مشاكل زوجية وعائلية.
الذين عاشوا في الدول الأجنبية ذات القوانين الرادعة جربوا أنهم لسنوات لم يسمعوا زامور، وحتى هم أنفسهم لم يستخدموا زامور سياراتهم، علماً أن تلك المدن تكتظ بالازدحام المروري، ومع ذلك يبقى السائقون في أماكنهم واقفين طوابير لفترات طويلة وملتزمين بمساربهم، ولا يفكر أحدهم باجتياز الآخرين أو ازعاجهم بالزامور. في هذه الدول المتحضرة، إن استخدام الزامور بشكل غير صحيح أو التعديل عليه أو تضخيم الصوت ،يُعتبر تعدي على الحريات الشخصية وسبباً في تلوث المدن، ومصدر إزعاج وإحباط للآخرين؛ لذلك يعتبر مخالفة من الدرجة الأولى ويترتب عليه عقوبات رادعة: من مخالفة مرورية، وغرامة مالية، وفرض دروس في آداب القيادة والتعامل مع الطريق. والسائق الذي لا ينصلح ويكثر من التزمير يتم حجز سيارته، ويُحول إلى مرشد في علم النفس أو إلى طبيب نفسي، وإذا لم ينفع معه تكون هنالك مسائلة قانونية، ويحول إلى المحكمة وقد تصل عقوبته إلى السجن.
في جميع دول العالم هنالك غرامات مادية للاستخدام الخاطئ للزامور، ولكنها تختلف بالقيمة بين دولة وأخرى؛ في الأردن ١٥ ديناراً، في مصر غرامة من ٢٠٠ إلى ٤٠٠ جنيه مصري، في تونس من ١٠ إلى ٦٠ ديناراً، في قطر ٣٠٠ ريال قطري، في دبي ما بين ٤٠٠ الى ٢٠٠٠ درهم إماراتي، في زيمبابوي ١٠ دولارات أمريكية، في تركيا ٢٤٥٦ ليرة (تعادل ٤١٢ دولار أمريكي)، في بريطانيا غرامة تصل ألف جنيه إسترلينيّ، في السويد غرامة تصل إلى ٥٠٠ كرون سويدي، في أمريكا من ٥٠ إلى ٢٠٠ دولار أمريكي، في بلجيكا حوالي ٦٨ يورو، في أستراليا من ٥٠ الى ٢٠٠٠ دولار أسترالي، في روسيا من ٥٠٠ إلى ١٥٠٠ روبل، في الصين من ٥٠ إلى ٢٠٠ يوان صيني، وفي اليابان ٣٠٠٠ ين ياباني.
في العديد من الدول العربية ودول العالم الثالث، أصبح الزامور حالة طبيعية ومنهج حياة يومية، وتتناسب كثرة استخدامه مع قلة التربية والفكر المتدني وقلة الهيبة والعقلية المتخلفة وتعدد الأمراض النفسية والغباء والحمق.
ليس من الأدب ولا الذوق ولا الأخلاق أن يتفنن السائق باستخدام الزامور، ظناً منه أن بالزامور تُحل كل الأمور. فيزعج السائقين الآخرين ويربكهم، ويرهب المسن العابر للشارع، والمرأة الحامل، والمريض المتعب، والأطفال والطلاب في مدارسهم وبيوتهم.
استخدام الزامور الخاطئ يعكس في كثير من الأحيان عدوانية السائق وعقده النفسية التي يفرغها بالزامور. وأحياناً يعكس الإجهاد والضغط الذي يتعرض له بعض السائقين بسبب العمل الطويل أو الظروف القاسية، مثل الحرارة العالية والقيادة بدون تكييف وعدم أخذ كمية كافية من النوم.
يلجأ بعض السواقين وخاصة أصحاب السيارات الضخمة ونقل مواد البناء والمياه العادمة إلى تغيير أصوات زامور سياراتهم ليكون عالياً أو ليشابه أصوات معينة مثل نهيق الحمار أو عواء الكلب أو صوت البقرة أو مواء القطة أو “صوت الضراط”، وأصوات أخرى غريبة عجيبة مما يزيد من درجة الإزعاج والاستفزاز..
استخدام الزامور بطريقة خاطئة ومستفزة هو عنوان لأزمة في الأخلاق، لأن كل واحد منا يتبع رأيه وهواه، وهذه الأفعال ليست حرية شخصية، وإنما فيها ضياع للحقوق والحريات، وفيها نوع من الرعونة، وأسلوب همجي يعبر عن حالة عصبية ونفسية سيئة للغاية، مما يؤدي إلى اغاضة واستفزاز الآخرين، وحدوث مشاكل مختلفة ممكن أن تؤدي إلى نزاعات وخلافات معقدة قد تصل إلى حد القتل.
الزامور أصبح لغة الشوارع، وذلك لعدم تطبيق أسس القيادة، وضعف القانون، وعدم القدرة على المواجهة بأدب. لماذا لم يعد أحد منا يحتمل الآخر؟ ويرى كل واحد منا نفسه سيد الشارع، وهو وحده الصح، وله الحق في اصلاح الاخرين من خلال زامور ؟ معارك صوتية مستمرة في كل شارع، والتي ممكن أن تصبح ساحة حربٍ وخسائر على الجميع. يجب أن تسير الأمور بخير ويسر، ولكن الذي يعاني من أزمة في الأخلاق سوف يبقى سبباً في إزعاج الناس بكل التصرفات بداية من استخدام الزامور.
لماذا أصبح الزامور في معظم الدول العربية لغة للتواصل والثقافة اليومية؟ ولا تكاد تمرّ دقيقة بدون زوامير ؟ إلى متى سيدوم هذا الحال من الإزعاج اليومي والمستمر من الزوامير؟ أما آن الأوان لنا أن نحترم حريات الآخرين وظروفهم وشعورهم؟ متى لنا أن نرحم النائم والعابر للطريق، والواقف على الإشارة، وكبار السن والأطفال، والمرضى من إزعاج الزوامير؟
الزامور أبداً لن يكون الحل؛ فأنت لن تقدر على الطيران بمركبتك فوق الناس الواقفين أمامك، الذي يستخدم الزامور كلغة خاطئة هو ذلك الذي لا يستطيع أن يدير نفسه ولا يستطيع التعامل مع الطريق، وليس لديه القدرة على المحبة والتسامح، ليس هنالك داعٍ لزامور خبيث، فتنطلق السيارة التي أمامك والاشارة حمراء مما يسبب الحوادث القاتلة.
يجب إصدار قانون وتفعيله على الجميع بمنع استخدام الزامور غير المبرر تحت أي ظرف كان. ومنع الأصوات الغريبة للزوامير. وردع هذه التصرّفات المسيئة للجميع، والتى تسبب حالات من الإزعاج لمستخدمى الطرق وتخالف قواعد وآداب المرور. فلا يوجد من يطيق تحمل معاناة سماع أصوات الزوامير المزعجة التي تقلل من مستوى الراحة وتنغص الحياة، لذلك هنالك دراسات من العلماء بالتفكير بالحلول، وما هو أفضل بديل لصوت الزامور؟ وظهرت العديد من الاقتراحات؛ منها تثقيف السائقين حول التأثيرات السلبية لاستخدام الزامور، ومتى يستخدم، وتحذرهم من العقوبات المرتبطة بسوء استخدامه. كما تم اقتراح تخفيض مستوى الصوت المسموح به للأبواق عالميًا من ٩٣ ديسيبل إلى ٨٧ ديسيبل. وتم اختبار مجموعة من الأصوات المختلفة في كوريا الجنوبية، وتوصلوا إلى أن واحداً من الأصوات يشبه صوت البطة، هو الأفضل ليكون صوت الزامور. لأنه أكثر ودية مع المشاة، ويتوقع أن يكون أقل ضوضاء في النبرة والارتفاع في تنبيه الناس من الخطر، ولا يسبب الإجهاد الذي يسببه الزامور الحالي.
في بعض الدول مثل الصين تستخدم الشرطة أنظمة صوتية ذكية وتقنيات متطورة (كاميرات وميكروفونات) لرصد المزمرين وتصوير السيارة وإصدار المخالفة تلقائياً.
يجب أن تكون هنالك تعليمات معتبرة لمنع الزوامير العشوائية، ورفع قيمة غرامة مخالفة استخدام الزمور لغير الضرورة لتصل إلى ٢٠٠ دينار، ويكون هنالك عقوبة متزايدة ورادعة تصل إلى السجن إذا تكرر العناد والإزعاج لأن في ذلك تعدي على حريات واستقرار الآخرين وراحتهم. يجب العمل على استخدام أنظمة صوتية ذكية كما في الدول المتقدمة لرصد المزمرين وتصوير السيارة وإصدار المخالفة تلقائياً.
