عاجل

واشنطن لم تبلغ دول الخليج بالحرب بسبب تقديرات عملياتية: هل يدفع الخليج ثمن حرب أمريكا وإيران؟

وكالة الناس -في خضم التصعيد العسكري الأخير بين واشنطن وطهران، يجد حلفاء أمريكا في الخليج العربي أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة. فبينما اتخذت الولايات المتحدة قراراً بشن هجوم واسع على إيران انطلاقاً من قواعدها المنتشرة في المنطقة، يبدو أن الدول المضيفة لهذه القواعد لم تُستشر، بل فوجئت بأنها أصبحت في مرمى النيران. ومع سقوط صواريخ إيرانية على منشآت نفطية ومراكز سكنية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين، يبرز سؤال ملحّ: هل ستدفع واشنطن تعويضات لهذه الدول عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة حرب لم تطلبها؟

غضب خليجي من غياب التنسيق
تقارير إعلامية متطابقة كشفت عن حالة من الإحباط والغضب إزاء الطريقة التي تعاملت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع حلفائها في الخليج. ففي أعقاب الهجمات الأمريكية على مواقع إيرانية خلال السنوات الماضية، أكدت مصادر دبلوماسية لوكالة أسوشيتد برس أن دول الخليج “لم تُبلغ مسبقاً” بالعمليات العسكرية الأمريكية، على الرغم من انطلاق بعض هذه الهجمات من قواعد على أراضيها.
هذا التجاهل المستمر للشركاء في الخليج يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحالف القائم منذ عقود. ففي الوقت الذي تقدم فيه دول الخليج تسهيلات لوجستية واستخباراتية وقواعد عسكرية للقوات الأمريكية، تجد نفسها مستبعدة من دائرة القرار عندما يتعلق الأمر بشن حرب من أراضيها.
اللافت أن مسؤولين خليجيين سابقين عبروا أكثر من مرة عن استيائهم من هذا النمط في التعامل. ففي تصريحات صحفية  سابقة لصحيفة الشرق الأوسط  أكد دبلوماسيون خليجيون أن بلادهم حذرت مراراً من مغبة التصعيد العسكري مع إيران دون تنسيق كامل، محذرين من أن تداعيات أي مواجهة ستنعكس مباشرة على أمن واستقرار المنطقة.

من المستفيد ومن يدفع الثمن؟
بينما تحاول واشنطن تسويق عملياتها العسكرية على أنها ضرورية “لردع إيران وحماية الأمن القومي الأمريكي”، فإن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة. ففي كل جولة تصعيد، تكون دول الخليج في مقدمة المتضررين، سواء بشكل مباشر عبر سقوط صواريخ ومسيّرات على أراضيها، أو بشكل غير مباشر عبر تراجع الاستثمارات واضطراب أسواق النفط وتضرر قطاعي السياحة والطيران.

تقارير أمريكية من وكالة أسوشيتد برس ونيويورك تايمز أشارت إلى أن إيران طورت ترسانتها من الصواريخ والمسيّرات بحيث أصبحت قادرة على استهداف عمق الدول الخليجية بدقة متزايدة. وهذا يعني أن أي مواجهة مستقبلية ستضع البنى التحتية الحيوية في المنطقة على قائمة الأهداف، خصوصاً منشآت النفط والغاز والمطارات المدنية.
الأكثر إثارة للانتباه هو ما كشفته تقارير غربية عن أن واشنطن “بدت وكأنها استهانت بالمخاطر التي تتعرض لها حلفاؤها الخليجيون، معتقدة أن القوات الأمريكية وإسرائيل ستكون الهدف الأساسي للرد الإيراني”. هذه  “الاستهانة” ترجمته عملياً دول الخليج التي وجدت نفسها مضطرة لاستنزاف مخزونها الدفاعي لصد هجمات لم تكن طرفاً فيها.
هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية الأضرار التي لحقت بدول الخليج نتيجة عمليات عسكرية انطلقت من أراضيها دون تنسيق؟
قانونياً، يثير هذا التساؤل نقاشاً معقداً حول مبدأ “المسؤولية عن الأضرار الجانبية” في القانون الدولي. فحتى لو اعتبرت واشنطن أن عملياتها العسكرية مشروعة، فإن مبدأ “المسؤولية عن المخاطر” يلقي على عاتقها تبعة الأضرار التي تلحق بدول ثالثة نتيجة أعمال حرب تنطلق من أراضيها.
اللافت أن الولايات المتحدة لم تقدم حتى الآن أي إشارة واضحة حول استعدادها للتعويض. بل على العكس، تكتفي بتقديم الدعم العسكري الإضافي لحلفائها، وكأن المشكلة هي نقص التسليح وليس طبيعة القرارات الأمريكية الانفرادية التي تجر المنطقة إلى الحرب.
في المقابل، تتصاعد في الأوساط الخليجية تساؤلات حول عدالة تحمّل أعباء الدفاع عن النفس في حرب لم يُستشر فيها الخليجيون، خصوصاً أن إسرائيل – الحليف الأوثق لواشنطن – نجحت في اعتراض صواريخ ومسيّرات أكثر مقارنة بجيرانها الخليجيين، وهو ما يثير استياءً صامتاً في العواصم الخليجية.

معضلة استراتيجية: شراكة أم تبعية؟
الوضع الراهن يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة. فمن جهة، هي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية. ومن جهة أخرى، تكتشف أن هذه المظلة قد تجلب لها الدمار بدلاً من الأمان. تقارير غربية تشير إلى أن المواجهة المتكررة تضع “ضغطاً غير مسبوق” على النظام الإقليمي الذي طالما اعتمد على الضمانات الأمريكية، حيث تتصاعد نقاشات في المنطقة حول ما إذا كانت التكاليف السياسية والاقتصادية للتحالف مع واشنطن أصبحت باهظة للغاية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور مالك عوني ، المتخصص في الشؤون الخليجية والأمن الإقليمي، أن ما يحدث يمثل “نقطة تحول” في العلاقات الأمريكية الخليجية.
ويقول عوني في تعليق خاص للمقال: “الولايات المتحدة تتعامل مع قواعدها في الخليج وكأنها قطع غيار في آلة حربها الإقليمية، متناسية أن هذه القواعد تقع على أرض دول ذات سيادة. المشكلة ليست في الدفاع عن النفس، المشكلة أن واشنطن تتخذ قرارات مصيرية منفردة، ثم تفاجئ حلفاءها بأنهم أصبحوا في مرمى النيران. إذا كانت الشراكة تعني أن يتحمل الطرف الأضعف تبعات قرارات الطرف الأقوى، فهذه ليست شراكة بل وصاية. التعويضات هنا ليست منّة، بل هي الحد الأدنى من الاعتراف بأن الدماء والأضرار التي لحقت بالخليج هي نتيجة مباشرة لقرارات أمريكية لم يطلبها أحد”.
ويضيف عوني : “الشارع الخليجي بدأ يسأل سؤالاً مشروعاً: لماذا ندفع ثمن حروب لا نريدها؟ ولماذا تبقى قواعدنا مفتوحة لضربات أمريكية دون أن يكون لنا رأي؟ هذه الأسئلة إذا لم تجد إجابات مقنعة، قد تتحول إلى مطالب شعبية بإعادة النظر في الاتفاقيات الدفاعية مع واشنطن”.
مع استمرار التصعيد وتوسع رقعة الاشتباكات لتطال مراكز حيوية في عمق الخليج، يظل السؤال معلقاً: هل ستضغط العواصم الخليجية باتجاه صياغة تفاهمات جديدة مع واشنطن تضمن حقها على الاقل في اتخاذ قرار الهجوم على دولة ثالثة، وكذلك في التعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة؟ أم أن هذه الأزمة ستمر كسابقاتها، لتترك خلفها شعوراً متزايداً بأن “الحليف” قد يتحول إلى “عبء” ثقيل على كاهل شعوب وحكومات المنطقة؟ ما هو مؤكد أن الثقة التي بنيت على مدى عقود تحتاج إلى إعادة نظر جذرية، ما لم تترجم واشنطن وعودها بشراكة حقيقية إلى تعويضات ملموسة ترمي ما دمرته حرب لم يكن لأحد في الخليج يد فيها.