ظاهرة طبية غريبة.. متلازمة تُدخل البشر في حالة سُكر دون كحول

وكالة الناس – أكدت دراسة علمية حديثة أن بكتيريا الأمعاء، لا الفطريات، تقف وراء متلازمة نادرة تجعل بعض الأشخاص يشعرون بالسكر دون تناول الكحول.

أكدت دراسة علمية هي الأكبر من نوعها حتى الآن أن البكتيريا، وليس الفطريات، تمثل السبب الرئيسي لما يُعرف بمتلازمة مصنع الجعة الذاتي (Auto-Brewery Syndrome)، وهي حالة طبية نادرة يصاب فيها بعض الأشخاص بأعراض تشبه السكر بعد تناول الطعام، رغم عدم شربهم لأي كحول.

واعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل عينات براز لـ22 مريضًا مشخصين بهذه المتلازمة، إلى جانب شركائهم في السكن غير المصابين، حيث كشف التحليل عن وجود نوعين من البكتيريا بكميات أعلى لدى المصابين، وهو ما يدعم نتائج دراسة سابقة نُشرت عام 2019.

وتُعد متلازمة مصنع الجعة الذاتي من الحالات نادرة التشخيص، ولا يوجد حتى الآن توافق طبي واضح حول أفضل طرق علاجها. ورغم محدودية عدد المشاركين، فإن الدراسة الحالية تمثل عينة مهمة لمرضى خضعوا لفحوص دقيقة، وأظهرت أن بكتيريا أمعائهم أنتجت كميات مرتفعة من الإيثانول عند زراعتها في المختبر.

وأشار فريق البحث، بقيادة خبيرة الأمراض المعدية إليزابيث هوهمان من مستشفى ماساتشوستس العام، وطبيب الجهاز الهضمي بيرند شنابل من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، إلى أن كثيرًا من المرضى يتنقلون بين مراكز طبية عدة، وغالبًا ما يُتهمون زورًا بتعاطي الكحول سرًا، قبل أن يغادروا دون تشخيص صحيح.

وأوضح الباحثون أن الارتفاع المستمر في مستويات الإيثانول داخل أجسام المصابين قد يؤدي إلى تلف الكبد، فضلًا عن ما يسببه من مشكلات اجتماعية وأسرية وقانونية جسيمة.

وجاءت هذه الدراسة بعد أن تلقى فريق الباحثين عددًا كبيرًا من طلبات المرضى الراغبين في الخضوع لفحوصات متعلقة بهذه المتلازمة، عقب نشر دراسة عام 2019 ربطت بكتيريا «كليبسيلا الرئوية» بحدوث الحالة، بدلًا من الخمائر التي كان يُشتبه بها سابقًا.

وقارن الباحثون بين ميكروبات الأمعاء لدى مرضى المتلازمة وأفراد أسرهم الذين يعيشون في البيئة نفسها، ما ساعد على تحييد تأثير العوامل الغذائية والبيئية المعروفة بتأثيرها في ميكروبيوم الأمعاء.

وأظهرت النتائج أن البكتيريا المعزولة من المرضى أثناء فترات اشتداد الأعراض كانت تنتج كميات أكبر من الإيثانول مقارنة بتلك المعزولة أثناء فترات الهدوء أو من الأشخاص غير المصابين، وهو ما تطابق مع مستويات الكحول في الدم التي تم قياسها في التوقيت نفسه.

كما تبيّن أن بكتيريا «كليبسيلا الرئوية» و«الإشريكية القولونية» — وهما نوعان معروفان بقدرتهما على إنتاج الإيثانول — كانت أكثر انتشارًا لدى مرضى المتلازمة، مع زيادة ملحوظة في بكتيريا الإشريكية القولونية خلال فترات تفاقم الأعراض.

وفي إحدى الحالات، تحسنت أعراض مريض بشكل واضح بعد خضوعه لعمليتي نقل براز من متبرع غير مصاب، بهدف إعادة ضبط توازن البكتيريا في أمعائه. وبحسب أسرته، استمر تحسنه لأكثر من 16 شهرًا، وعاد سلوكه الطبيعي إلى حد كبير.

ويرى الباحثون أن تخفيف أعراض المتلازمة قد يكون ممكنًا من خلال تعزيز أو إدخال سلالات بكتيرية أخرى قادرة على استقلاب الإيثانول بكفاءة، سواء عبر تغييرات غذائية، أو نقل البراز، أو استخدام البروبيوتيك، مع عدم استبعاد دور الفطريات في بعض الحالات المحدودة.

كما أشاروا إلى أن استهداف الجينات البكتيرية المسؤولة عن المسارات الأيضية النشطة خلال فترات التحسن قد يفتح الباب أمام علاجات مستقبلية أكثر دقة.

ولفتت الدراسة إلى أن المرضى أظهروا اختلالات شديدة في توازن ميكروبيوم الأمعاء، موضحة أن أبحاثًا أخرى ربطت إنتاج الإيثانول المعوي بحالات مثل مرض السكري ومرض الكبد الدهني، وهو أكثر أمراض الكبد شيوعًا عالميًا.

واختتم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن هذه النتائج تثير تساؤلات أوسع حول مدى انتشار إنتاج الإيثانول بواسطة بكتيريا الأمعاء بين عامة الناس، وما قد يحمله ذلك من آثار صحية محتملة، مشددين على الأهمية المتزايدة لميكروبيوم الأمعاء ونواتجه في صحة الإنسان.