نادية النوري تكتب: السيرة الذاتية بين التوثيق الفني ومسؤولية الحفاظ على الرموز

وكالة الناس

بقلم: نادية إبراهيم نوري

يحرص كثير من المشاهير والناجحين، من سياسيين ورؤساء وكتّاب ومبدعين، على تدوين سيرهم الذاتية ومذكراتهم الشخصية، وتتعدد دوافعهم في ذلك؛ فالبعض يكتبها اعتزازًا بما حققه من إنجازات ومسيرة حافلة، وآخرون يوثقون من خلالها أهم المحطات التاريخية التي عاصروها، فيما يسعى بعضهم إلى ترك إرث فكري وإنساني لأبنائهم وأحفادهم. وهناك من يلجأ إلى المذكرات بدافع النقد أو سرد التجارب الشخصية مع أشخاص وأحداث مرّوا في حياته، وكل ذلك يندرج ضمن إطار طبيعي ومقبول.

غير أن الإشكالية تبدأ حين تتحول هذه المذكرات إلى أعمال درامية أو أفلام سينمائية، وهو أمر شائع في مختلف أنحاء العالم، وتتباين أهدافه بين الإعجاب بتجربة الشخصية، أو تخليد اسمها، أو تقديمها نموذجًا يُحتذى به للأجيال القادمة. وهذا الهدف الأخير هو الأسمى والأجدر بالدعم والتركيز.

لكن ما يثير القلق والرفض الشديد هو التركيز على سلبيات الشخصيات الشهيرة وهفواتهم الشخصية وسلوكياتهم المرفوضة اجتماعيًا، إذ إن الإنسان، مهما بلغ من مكانة أو شهرة أو علم، يظل بشرًا يجمع بين الإيجابيات والسلبيات، وقد يمر في مراحل من حياته بتجارب أو أخطاء يتداركها مع النضج، بل وقد يتمنى لو مُحيت من ذاكرته. فكيف يكون من المنطقي إعادة إحياء تلك الهفوات وتسليط الضوء عليها، لا سيما إذا كان صاحب السيرة قد رحل عن الدنيا، وأصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه أو توضيح موقفه أو تفنيد الادعاءات؟

إن الهدف من تحويل السيرة الذاتية إلى عمل فني ينبغي أن يكون تقديم متعة راقية ورسالة أخلاقية سامية تغرس القيم النبيلة في نفوس المتلقين. فكتاب المذكرات قد لا يتجاوز قرّاؤه المئات، بينما يصل العمل الدرامي أو السينمائي إلى آلاف، وربما ملايين المشاهدين، وغالبًا ما يكون الشباب أكثر الفئات تأثرًا وتقليدًا للمشاهير. من هنا تبرز أهمية التحري والدقة في اختيار السير الذاتية التي تُحوَّل إلى أعمال فنية، وفي الكيفية التي تُقدَّم بها.

الأجدر بنا أن نسلط الضوء على الجوانب الإيجابية في تلك السير، وأن نركز على مسيرة الكفاح والاجتهاد وخطوات النجاح، لنُسهم في بناء جيل يسمو بأخلاقه، ويؤمن بقيمة العمل والمثابرة لتحقيق الأهداف.

فما الفائدة التي يجنيها المخرج أو الجمهور من استعراض سلبيات شخصيات خُلِّدت أسماؤها في التاريخ، قديمه وحديثه؟ ولماذا نلجأ إلى نبش تفاصيل حياتهم الخاصة وأسرارها، أو إلى هدم الرموز المجتمعية، سواء كانت دينية أو فنية أو قيادية؟ وقد قيل: «إذا أردت أن تهزم أمة فاهدم رموزها».

لذلك، علينا أن نتقي الله في رموزنا، وأن نحافظ على ثقافتنا وهويتنا، وألا ننساق وراء كل ما من شأنه تقويض حضارتنا وتشويه قدواتنا