الحناوي: هناك… خلف الكواليس، جهاز يكتب الأمن بحبرٍ لا يراه أحد 

وكالة الناس

بقلم الاستاذ علي الحناوي

في دولة تحيط بها العواصف من كل اتجاه، وتتعاقب عليها الأزمات كما تتعاقب الفصول، يبقى الأردن استثناءً عربيًا لافتًا؛ واحة أمنٍ في منطقة تتسارع فيها التحولات. وليس هذا الاستثناء معجزة، بل هو نتاج مؤسسة أمنية تُدرك معنى الدولة، وتعي مسؤولية حماية الإنسان قبل المكان: جهاز المخابرات العامة.

هذا الجهاز، الذي يعمل بصمتٍ لا يسمع الناس منه إلا نتائج الإنجاز، أصبح في وعي الأردنيين ركيزة وطنية ثابتة، لا تقوم هيبة الدولة ولا استقرارها إلا عليها.
وما يقال اليوم ليس مجاملة ولا خطاباً إنشائياً، بل هو تسجيل للحقيقة التي تتكرر في كل محطة صعبة، وتبرهنها كل عملية تُحبط قبل أن تتحول إلى مأساة.

وفي منظومة الدولة الأردنية، لم يكن لهذه المؤسسة أن تبلغ صلابتها وقدرتها لولا القيادة الحكيمة التي حددت مسار الأمن الوطني. فجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وضع للمخابرات رؤية واضحة تقوم على أن أمن المواطن هو الأساس، وسيادة القانون هي الطريق، والاحتراف هو المنهج. وبرؤيته الهادئة الصلبة، تطور الجهاز، وتعززت جاهزيته، وأصبح نموذجاً عربياً في العمل الاستخباري المنضبط الذي يحمي الوطن دون ضجيج.

ففي الكرك، حيث حاولت خلية إرهابية أن تجعل من المدينة مسرحًا للفوضى، كان رجال المخابرات قد رسموا مسار الخطر قبل أن يبدأ، وتابعوا الخيوط بذكاء دقيق حتى وصلت ساعة الصفر، فكانت العملية صلبة، سريعة، حاسمة، انتهت بانتصار الدولة وبقاء الكرك درعاً من دروع الوطن.

وفي السلط، واجه الأردن واحدة من أعقد العمليات وأكثرها تحديًا، حيث تحصّن الإرهابيون في قلب المدينة. ومع ذلك، أثبتت المخابرات قدرة مهنية عالية في إدارة المعلومة، وتحليل التحركات، وتنسيق الجهود، مما جعل النهاية محسومة لصالح الدولة وقانونها، رغم صعوبة الميدان وشراسة المواجهة.

أما إربد، فقد كانت شاهداً على عملية نوعية من الطراز الرفيع ،مدينة مزدحمة، شوارع ضيقة، بيوت متلاصقة كل ذلك لم يمنع الجهاز من تنفيذ مهمة دقيقة أبعدت الخطر عن آلاف المواطنين ،لقد كانت مواجهة غير مرئية للكثيرين، لكنها كانت فاصلة في رسم أمان المدينة لسنوات قادمة.

ثم جاءت الرمثا قبل أيام، لتعيد التأكيد على الأسلوب الأردني في مكافحة الإرهاب: رصدٌ دقيق، متابعة صامتة، تدخل محسوب، وضربة استباقية تخطف الخطر من جذوره. لم يكن انتصاراً على خلية فقط، بل رسالة بأن الأردن لا يترك شيئاً للصدفة، وأن أعين رجاله لا تنام.

إن الجهاز الذي يواجه الإرهابيين اليوم، هو ذاته الذي يدير العمليات الخارجية، ويحلل الخرائط المتغيرة، ويقرأ نوايا التنظيمات قبل أن تتحول إلى خطط. جهاز يبني معلوماته على علم، ويخوض معاركه بعقلٍ لا يتهور، واحتراف لا يرتجف.

ومع ذلك، فإن أجمل ما في المخابرات الأردنية ليس فقط نجاحها، بل تواضعها.
رجال يعملون دون أضواء…
دون ظهور…
دون أن يطلبوا شكرًا أو مقعدًا في العلن.
يظهرون فقط عندما تستدعي الدولة صلابتهم، ويختفون عندما يعود الأمن إلى مكانه الطبيعي… بين الناس.

ولهذا، كان الفخر الشعبي بهم فخراً نابعاً من الثقة قبل العاطفة، ومن التجربة قبل الكلام ،فلا الأردنيون يبالغون في محبتهم، ولا الجهاز يحتاج إلى من يمدحه؛ لأن الإنجاز وحده كافٍ ليصنع الاحترام، ولينقش مكانته في ضمير الأمة.

لقد اختار الأردن طريق الدولة، لا الفوضى ،طريق القانون، لا السلاح المنفلت ،طريق الأمن الذي يحمي الحرية، لا الأمن الذي يخنقها.

وفي هذا الطريق، كان جهاز المخابرات العامة الذراع الأقوى للدولة، والدرع الأكثر صرامة في مواجهة من يعتدي على أمنها ،وسيبقى بقوة رجاله ووعي قيادته، شوكة في حلق كل من يسعى لخراب الأردن أو يجرّه إلى الفوضى.

وبين الماضي والحاضر، يبقى الثابت أن هذا الوطن محظوظ برجاله
رجال أقسموا على أن يبقى الأردن آمناً مهما ارتفعت نيران المنطقة من حوله، ومهما حاول الشر أن يتسلل إلى حدوده.