د. يوسف العجلوني يكتب.. مواقع الخسارة
وكالة الناس – د. يوسف العجلوني – يسعى الفرد في البحث عن العمل المُناسب له الذي يُحقق ذاته ، والذي يستطيع من خلاله بناء حياة مهنية ناجحة. لذلك يكون العمل الجيد المناسب هو الذي يرضي الشغف ، ويُشعِر الإنسان بوجوده ، ويُنمّي المهنية ، ويحقق ما في الذات من آمال ، ويطوّر المهارات والخبرات ، ويكون ذا مردود مادّي كافٍ ، ويزيد الفضل إذا كان للعمل آثار اجتماعية وخيرية.
تلعب بيئة ومكان العمل الإيجابية الآمنة المجدية دوراً أساسياً في جذب الكفاءات والحفاظ عليها ودفعها إلى الإستمرار بعملها ، وتكون بيئة مودة وإنجاز ، ويَشعر الجميع أن المؤسسةَ ملكٌ لهم ، وذلك يقود إلى الإبداع والإنتاج الكمي والنوعي ، وظهور الطموحات المستقبلية المتعددة.
تعمل المؤسسات الرائدة المميّزة التي يهمها التطور والإستمرار بالمستوى الوظيفي الرفيع على تعزيز قدرة العاملين على التواصل فيما بينهم لتحقيق المصلحة المشتركة وسمعة المؤسسة ، وذلك يزيد من رضا العاملين ، وينعكس بشكل إيجابي على كل نواحي العمل ، ويزيد من جذب أصحاب المواهب نحو التطلّع للعمل في هذه الأماكن.
الإدارة الجيدة الحكيمة الناضجة للمؤسسات تراعي أوضاع العاملين ، وتؤمّن لهم الراحة النفسية ، والبيئة المناسبة ، والمعدات والأجهزة، والإعلام المثمر لما يقومون به على الواقع ، وتتبنى حمايتهم والدفاع عنهم في كل ما يخص العمل والنجاح والمنافسة مع المؤسسات المحلية والدولية ، ودائماً تتابع وتوفر كل ما يحتاجه التطوير والتقدم لتكون المؤسسة بأعلى مستوى ممكن ، ولا تتردد بالثناء على العمل الجيد والأشخاص حسب كفاءتهم أمام الجميع ، وليس لديها سياسة تهميش لأفكار موظفيها أو التقليل من وجود أي موظف مهما صغر عمله.
عندما يشعر الإنسان بالرضا ، ويكون مكان العمل مناسباً وجميلاً ، وله سمعة طيبة يفتخر بها تبعاً لموازاين المواصفات الصحيحة ، وتكون المؤسسة قوية وداعمة ، سوف يلتصق الموظف بالعمل وينجز ويستمر ويحسّن من مهنيته ، ويتحمل الضغوطات وأي أمور طارئة أخرى لتستمر المسيرة.
ولكن عندما يشعر الإنسان بعدم الرضا في العمل ، فإنه يبدأ يشعر بتقلب المزاج ، والإستياء من مواقف مختلفة والضيق ، وتقل المتعة بالقيام بالأعمال اليومية ، ويصبح الذهاب للعمل هماً وتعباً جسمياً ونفسياً وعدم راحة بال ، ولا يبقى لديه صبر ليتحمل أي صعوبات أو تحديات ، ولا يستطيع أن يبقى على المردود المادي حتى وإن كان بالنسبة للآخرين مجدياً ؛ وتبدأ الأفكار تتولد بترك العمل ، وتزيد المنغصات مع الأيام حتى يصبح القرار جازماً.
يصبح عدم الرضا بالعمل والميول إلى ترك المكان أمراً مؤكّداً على الواقع ، عندما يبدأ الشخص بالقيام بأمور لا تثير اهتمامه ، أو تصبح الفائدة المادية من العمل قليلة ، أو يَظهر عدم الإعجاب بما يقوم به ، أو ينشأ عدم الرضا من التعامل مع مدير المؤسسة أو صاحبها أو من العاملين الآخرين غير المناسبين تصرفاً أو كفاءةً ، وممكن أن يكون عدم الرضا بسبب عدم التقدير الكافي لما يقوم به الموظف ، أو عدم حصوله على الإمتيازات الكافية للمرحلة والكفاءة ، وقد يكون بسبب مشاكل شخصية مع الإدارة.
الآن أصبح ترك المكان غير المناسب والبحث عن مكان آخر حلاً منطقياً ، فقد أصبح واضحاً أنه موقع من مواقع الخسارة بكل ما تحمل الكلمة من معنى : مهنياً ومادياً ونفسياً واجتماعياً ؛ وأصبح الإجهاد والإرهاق أمراً واضحاً ، وأصبحت الوظيفة غير ملائمة ولا تتناسب مع المؤهلات والسن ، المكان ضاع منه الشغف ، وبدأ الشعور بالبؤس عند الذهاب إلى العمل كل صباح ، العاملون يقفون في مكانهم ولا يتقدمون ، الإدارة لا تفهم معنى الإدارة ولا تفهم معنى أو أصول التطور والتقدم ، الكسب المادي أصبح شعار المؤسسة ومسعاها، وبدأت السلبية في العمل تكبر وتعلو ، ولا يوجد مكانة معتبرة للمؤسسة أو ثقافتها في المجتمع ، ولم يَعُد هناك توزان بين العمل والحياة الشخصية، وفُقِد الإهتمام بالمهارات والخبرات ، أفكار كثيرة ومتعددة ومتناقضة في مهب الريح ، لا يوجد ترويج ولا تميز في مستوى العمل والإنتاج ، وبدأ الشعور بالملل من العمل الذي فقد روحه ، والذي أصبح روتيناً قاتلاً وتكرار أيام دون أي تقدم أو تطوير ، وأصبحت أهم أهدافه إرضاء صاحب العمل ومالك المزرعة.
في الكثير من الحالات ، وحتى عند الشعور بالملل من الوظيفة والعمل ، وعندما لا تُشبِع الوظائف الشغف ، يبقى العاملون مستمرين بالعمل في نفس المكان ، وذلك للحاجة المادية ، ولأن هؤلاء الناس يخشون المغادرة خوفاُ من القادم والمجهول ، ولا يبذلون أي وقت أو جهد في البحث عن وظيفة أخرى أفضل ، رغم الشعور المستمر بالملل من العمل ، وعدم الرضا ، وعدم تحقيق الذات ، ورغم عدم وجود أي تقدم مهني ؛ هؤلاء هم الناس الذين ليس لهم مجالاً لمكان آخر ، أو يفتقرون لبعد النظر وينظرون من زاوية واحدة ، أو أنهم يخافون من التغيير دون النظر للمستقبل، أو أن ظروفهم الإجتماعية لا تسمح ، أو أنهم اكتفوا بالأفكار السلبية واعتادوا عليها واقنعوا أنفسهم بها ، أو أن شخصياتهم بُنيَت على عدم تحمل المغامرة أو مواجهة مخاطر التغيير والتطور والصعود إلى أعلى الجبل.
مهما كانت الشخصية ، ومهما كان موقع العمل ، ومهما كانت الأفكار بالثبات ، وأياً كانت المؤسسة ، ومهما كان رأي الآخرين والمجتمع ، ومهما كان الدخل المادي ، هنالك علامات واضحة وصريحة تخبرك بأن الوقت قد حان لترك هذا العمل وهذا المكان والبحث عن مكان آخر ؛ عندما لا يبقى ما يرضيك نفسياً ، عندما يبدأ الملل ، عندما ينعدم الإبداع ، عندما تنتهي الحماسة في المكان ويختفي الشغف ، عندما تصبح قيمك وأهدافك لا تتوافق مع رؤى المؤسسة وإدارتها ، عندما يكون لديك مدير سيء يتعامل وفقاً لحالته المزاجية ، متحكماً متعنتاً لآرائه وقراراته الشخصية ، سطحياً أو نمطياً ، مادياً مغروراً أو كاذباً ، عندما تبذل قصارى جهدك بعملٍ يُجهد نفسك صحياً بسبب التوتر والضغوطات وعدم المرونة الموجودة داخل العمل والتي تستهلك من عزتك وقدرتك النفسية والعقلية ، وقد تسبب لك العديد من الأمراض.
الحياة محدودة وأيامها تمر بسرعة ، ولا تستحق الكثير من الجهد والتفكير والعناء ، لذلك يجب عمل توازن بكل شيء ، وإعطاء الوقت والمكان ما يستحق من جهدك وعطائك ووقتك ، ويجب أن يكون للعمل مساحة محدودة في حياتك ، ويجب أن لا تتعدى هذه المساحة على الحياة الشخصية . أنت تنجز مهاماً وواجبات مختلفة ، والعمل لا بد أن يتم في أوقاته المحددة ، ولو كانت هناك مهام إضافية ، يجب أن تجد وقتاً مريحاً لتجلس مع عائلتك وأطفالك ، ووقتاً كافياً وطيباً لرؤية أصدقائك والتمتع بصحبتهم ؛ وغير ذلك ، فإنك في موقع من مواقع الخسارة الذي لا يعوضه شيء ، وهذا مؤشر قوي يدفعك لترك هذا العمل ، والبحث عن عمل آخر تستطيع فيه أن تكون لنفسك ، ومع من تحب ، وتشعر بالسعادة وراحة البال.
إذا كنت قد اتخذت قرارك بترك المكان الذي لن ينتهي بك إلا إلى الخسارة ، فأنت الآن صاحب قرار ، وسوف تحظى بحياة مهنية أفضل من كل النواحي ، وتجد نفسك وقيمتك كما يجب أن تكون ؛ ويمكنك التوجه إلى العمل الحر الخاص الذي به تستطيع أن تستغل جهدك في مكانه ، ويُمَكّنُك من تحقيق النجاح كما تريد ، وتكون في المكان الذي تريد ، وسوف تؤكّد لك الأحداث والأيام أن خسارة بعض الأماكن والأشخاص هي أكبر مكسب.
د. يوسف العجلوني