د.العجلوني يكتب.. كيف يكون الانتماء للوطن،ومن هم المنتمون في الواقع ؟
وكالة الناس – كتب. د. يوسف العجلوني – الوطن عظيم وعزيز بكل المعاني ، والإنتماء له واجب ، وبناؤه وتطويره أمر أساسي ، والحفاظ عليه والدفاع عنه فرض عين ، الوطن ليس له بديل ، ولا يعوضه صاحب ولا مال ، هو عقيدة نبذل في سبيلها أرواحنا ، هو السكن والملاذ ، هو ذكريات الطفولة ، ريحة الأمهات والآباء والأجداد ، هو أحلامنا وأمنياتنا ومستقبلنا ، هو انتماؤنا وكياننا ، هو الشعور بالأمان والإطمئنان ، هو السعادة والنوم العميق ، هو السهل والجبل والصحراء والبحر ، هو السماء الجميلة والأرض الواسعة والأشجار المثمرة ، هو الشمس والقمر والنجوم ، هو المال والرأي والقرار ، هو الأب والأم والأخ والأخت والعم والخال، هو كل عزيز علينا.
الوطن أجمل مكان في الدنيا ، تحصل فيه على ما تريد ، وتذهب أينما ترغب ، لا نستطيع البعد عن الوطن ، لن ترتاح بغير الوطن ، وإن رحَلْتَ عنه لن يرحل عنك ، ستأخذه معك أينما ذهبت ، بابه وحضنه مفتوح مهما تغيرت الأحوال والظروف ، الوطن هو العزة والكرامة والشرف والعرض والحياة.
الوطن يعطي الإنسان هويته ومنزلته وحقوقه ، ويعطي حق التعليم ، وحق الرعاية الصحية الجيدة حسب الحاجة لها ، وحق الرأي والإنتخاب ، وحق الإمتلاك ، وحق العيش بإنسانية ، وحق ممارسة الشعائر الدينية وحفظ أماكن العبادة ، وحق الاستقرار والأمن ، والحق في العدل والمساواة ، ويعطي الحق بالعمل وتولّي المَناصب العامة.
حب الوطن يأتي بالفطرة منذ الصغر ولا يحتاج إلى تعلّم أو تكلّف ، حب الوطن يكمن في القلوب ويظهر في الأفعال والأقوال ، حب الوطن يعني مقاومة الفساد والظلم ، يعني المساهمة بالقدرة الاقتصادية وتطويرها ، وبالتقدم العلمي والثقافي، وبالقوة العسكرية ، حب الوطن يعني أن نمثّله تمثيلاً مشرفاً في البلدان الأخرى ، يعني الإنضباط والإلتزام وعدم الاستهتار في العمل ، يعني أسلوب الحوار الواعي المفيد في حلّ المشكلات والخلافات ، يعني احترام العادات والتقاليد والأعراف.
الإنتماء للوطن هو الإعتزاز والفخر وبذل الجهد والتضحية بالمال والنفس من أجل الوطن ، الإنتماء للوطن يجعل الإنسان يخاف على وطنه أكثر من خوفه على نفسه ، ويتناسق ويتلاحم مع أبناء الوطن الآخرين على اختلافاتهم ، الإنتماء للوطن يقلل من المشاكل الداخلية ، ويمنع تفرق القلوب والمجتمعات ، ويمنع ظهور المشاجرات والاعتداءات والجرائم ، الإنتماء يعمل على حماية المجتمع من الفساد والإنحراف والإنجراف والسلبية ، الإنتماء للوطن يمنع التجسس ، والخيانة وعمليات التخريب والإرهاب.
المواطن الصالح يضع وطنه أولاً، ويرفع رايات الوطن في مختلف المجالات ، ولا يقدّم أي مصلحة على مصلحة وطنه، ولا يسمح بأن تطغى المصالح الشخصية على مصلحة أبناء وطنه ، المواطن الصالح يُحافظ على مقدرات الوطن من الضياع ، المواطن الصالح يتحلى بالقيم والأخلاق الحميدة من وفاء واخلاص في العمل ، والأمانة والصدق في التعاملات ، المواطن الصالح قدوة لغيره ، لا يغش ولا يتكاسل. المواطن الصالح ينبذ الفساد والفاسدين ولا يتستر عليهم ، ولا يقبل بالرشوة ولا الواسطة والمحسوبية ، المواطن الصالح يدافع عن وطنه بدمه وماله. المواطن الصالح هو الذي يشعر أنه ملك للوطن كما أن الوطن ملك له.
الإنتماء ممكن أن يتأثر بالظروف النفسية والفكرية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية الموجودة داخل الوطن ، فعندما لا يجد الإنسان في الوطن كفايته من الكرامة والأمان والغذاء والدواء والتعليم والسكن والوظيفة ، فإنّه سيضطرّ للرحيل أو العيش في حالة فقر ، كما إن عدم تَوفر فرص العمل ينتج عنه إحساس الفرد بالغُربة في بلاده ، وعدم تكافؤ الفرص في المناصب ووضع الرجل غير المناسب في المناصب العليا يضعف ثقة المواطن بالدولة ويقلل الإنتماء ، وعدم محاسبة الفاسدين وعدم إعطاء اعتبار للكفاءات يضعف الإنتماء أيضاً ، وعندما ننظر ونجد من يصل الى المناصب العامة والمسؤولين كثير منهم من الأغبياء والحمقى والذين كانوا اقل الناس جهداً وعلماً وعملاً وكفاءةً، يفقد المواطن الأمل في القادم ويفقد الشعور بالمصداقية والثقة والأمان .
عندما يقلق الإنسان على نفسه وعرضه وماله ودينه وهو في وطنه ، يقل انتماؤه ، عندما تتعدى الدولة على رزق المواطن أو دخله إلا بما يقتضيه القانون يقل انتماؤه ، عندما يَشعر الفرد بأن حقوقه تضيع وكرامته تمتهن ويُساء إليه ، حينها ينتهي مفهوم الإنتماء والولاء للوطن ، ومن هنا يأتي عدم الإلتزام بالقانون والتهرب من الواجبات الوطنية.
الكثير منا وهم منتمون ويغارون على مصلحة الوطن يقولون: نغني للوطن ويموت الفقراء والمنتمون الصالحون وهم يجاهدون في سبيل العيش ، ومن أجل أن يبقى الوطن كريماً حراً عزيزاً ، وحتى لا نخسر أنفسنا ويخسر الوطن. المواطن مهما كان ، إذا تمتع بعدل وكرامة ، سوف يصبر على النائبات والمحن ليبقى الوطن بأمان ويدوم ويعلو ، وإذا ساد الظُلم والقهر والمصلحة الخاصة ، تقهقر الوطن وصار على شفا حفرة من الزوال والهلاك.
وانا أقول يحيا الوطن، يحيا الوطن ، وكلنا فدا الوطن في كل الظروف والمواقع ، لأن الوطن لا يسيء لأبنائه ، ولكن من يسيء هم السيئون الذين يغشون ويظلمون الوطن ومن ينتمي إليه.
إن عدم الإنتماء للوطن مصيبة كبيرة ، وتؤدي إلى تخلف الوطن وتأخره في كافة المجالات : التعليميّة ، والسياسيّة ، والإقتصادية ، والإجتماعية ، وعدم الإنتماء يؤدي الى الهدم المستمر ، وتفكك الروابط المجتمعية ، ويبدأ يتصرف كل واحد كما يريد ، ويبدأ الوهن والهوان ، وتضعف مؤسسات الدولة وتصبح بدون جدوى ، ولا تقوم بالواجب الموكل لها ، ويمل المواطن من الفقر والبطالة والفقر والتسلط والشخصنة والظلم ، وتضعف وتتزعزع الجبهة الداخلية للوطن ، فيصبح محطةً لأنظار الطامعين والغزاة ، ويزداد الأمر سوءاً عندما تطغى المصلحة الخاصة على المصلحة الوطنيّة والعامّة ، وهنا يصبح الوطن في آخر الصف ، في ذيل الأمم والشعوب ، ويبدأ يعتمد على غيره في شتى المجالات ، ولا يستطيع أن يملك قراره أو سيادته ، ولا يبقى ما يخصه أو يميزه ، وهنا ليس عنده غير أن يساوم على مبادئه ومقدراته ، فتصبح أي خدمةٍ تقدم له من المجتمع العالمي رهينةً بثمنٍ قاسٍ يتنازل فيه عن القيم والمبادئ والثوابت ، وهنا تصبح الخسارة مضاعفة ولا يمكن تعويضها ، وليس هنالك طريق للرجعة ، فيضيع الوطن والشعب والمقدرات والتاريخ وكل الأشياء التي لا تقدّر بثمنٍ.
مهما كانت المرحلة التي وصلنا إليها الآن وقبل فوات الأوان ، يمكن تعزيز الإنتماء للوطن والرجوع للمكان الصحيح من خلال تفعيل دور وسائل الإعلام في تثبيت مفاهيم الولاء والإنتماء للوطن والارتقاء بالقواعد والقوانين التي تقوم بدورها بتوفير العدالة والحياة السعيدة لأفراد الوطن ، والتركيز والحفاظ على تعزيز الثقافة الوطنية وترسيخ حب الوطن لدى الشباب والأطفال ، والحـوار الواعي والنقـاش الهادئ الذي يحل النزاعات.
إذا كنت تتألم من عدم الشعور بالإنتماء ، فذلك مؤقت وينتهي ، فقط انظر للمستقبل وللخيارات الأخرى والنتائج ، وتأكد أن الإنتماء للوطن لا ينتهي ، وليس عنه بديل ، وتأكد أن شعورك بهبوط الإنتماء هو فقط بسبب كمية النفاق والتناقضات التي نعيشها في الوطن ، والهوة بين ما نقدّسه ونتغنى به وبين ما يظهر في سلوكياتنا. لا شكّ أن الإنسان يفقد شعوره بالإنتماء عندما يصبح العيش في الوطن مصدر ألم،وعندما لا يجد الشخص من يشاركه فرحه ووجعه ويواسيه ويتعاطف معه ، ويضعف الإنتماء ،وربما يتلاشي عندما يفشل ويُدَمَّر مفهوم العيش الكريم ، وتتصدع المسلمات والثوابت التي يقوم عليها هذا الوطن ، ويكون فقدان الإنتماء للوطن ، عندما تضيع أبسط الحقوق في توفير الماء والكهرباء والوقود.
الصحيح أن الوطن مفروض عليك مثل الدين ، لأنك وُلِدت فيه ، ولو كان هنالك خيار لنا ، لاختار كل واحد منا الوطن والدين الذي يراه مناسباً ويتطابق معه ، وفي هذه الحالة يكون الوطن كما تختاره أنت ، ويمكن تغييره حسب المتغيرات العالمية والقوة الإقتصادية والعسكرية ، ولكن ولأنك خُلِقت في هذا الوطن ،فلابدّ أن تتقبله بكل المعطيات المتوفرة ، تستمتع بخيراته ، وتصبر على سيئاته التي لم يصنعها الوطن يوماً ، وهو منها براء ؛ أكيد يزعجك كثرة الكلاب والمنافقين والحمقى وأكيد يزعجك عدم إنتماء البعض ، أكيد يزعجك مؤسسات لا تمشي على نسق أو قانون ، أكيد لا يعجبك الكيل بمكيالين وعندما تميل الأمور كما تميل الريح ، أكيد لا يعجبك الشخصنة وتفضيل المصلحة الخاصة على العامة. ولن يعجبك دولة لا تهمها المقدرات ولا المؤسسات ولا الكفاءات ، ولا الأبناء الذين تشردوا في مختلف دول العالم طلباً للعيش الكريم ، أكيد لا يعجبك النظام الضريبي الظالم الذي لا يتبع المنطق ولا يهمه ظروف الناس ، والذي يتفنن في وضع الضرائب ؛ ضريبة على الشمس وضريبة على الضريبة ، ولا يهمه ما يصرف على التعليم أو الصحة ، أكيد يزعجك النظام الجمركي الجائر ، ويزعجك تصرفات الشركات الخدمية المتغولة على الوطن والمواطن ، أكيد يزعجك نظام الفواتير الجائر بدون وجه حق حتى ولو كنت لا تستخدم الكهرباء وبدون قراءة العداد ، أكيد يزعجك موظف شركة الكهرباء الذي يقطع الكهرباء عن البيوت دون إنذار هاتفي أو خطي ، مما يؤدي إلى خراب الأدوية والماكولات في الثلاجات ، وما ينتج عن ذلك من مصائب على المرضى والأطفال وضياع المال والصحة ، أكيد يزعجك أن بعض العائلات تتعرض لفقر متقع ليتعلم أبناؤها بسبب ارتفاع نفقات التعليم الجامعي ، أكيد تزعجك الرشوة التي لابُدّ منها من باب تيسير الأمور ، أكيد يزعجك مراجعة المؤسسات الحكومية والتي تشكل عبئاً نفسياً ومادياً ، أكيد يزعجك هدم الصحة والتعليم ، أكيد يزعجك غياب الرقابة الحقيقية عن المسؤولين الذين يعيثون فساداً ويدمرون المؤسسات العامة ، أكيد يزعجك استباحة المال العام ، أكيد يزعجك ضياع مقدرات الدولة ، كل ذلك ويبقى الوطن يتحسر معنا بألم وليس ذلك من الوطن.
وأنا أقول : مهما أزعجتك الأحوال المالية والإجتماعية والسياسية ، وما يقوم به بعض الفشلة والحمقى من المسؤولين ، إلا أن الوطن يبقى الوطن ، وله احترامه ومحبته وتقديره وتقديسه ، ولا يمكن الإستغناء عنه ولا تبديله ولا تعويضه.
فقدان الإنتماء ليس ظاهرة صحية وليس بالأمر السهل، ولا يجوز أن نؤمن به ، ويجب مكافحته بشتى الوسائل : بالعقل والمال والبرامج المجتمعية والوطنية ، لأن فقدان الإنتماء للوطن يجعل الفرد في حالة إنفصال عن الواقع، حيث يفقد منظومة الانتماءات الأخرى التي تضمن له الوقاية من التشتت والذوهان واللاجدوى ، ويدخل في حالة من انعدام الأمل بالمستقبل و الكرامة والوجود والحياة.
انا لا أنتمي للوطن عندما لا أكون نافعاً مثمراً ناشراً للخير والفضيلة محباً لوطني ، أنا لا أنتمي عندما لا يهمني الذود عن حمى الوطن بالكلمة الطيبة أو بالنصيحة الصادقة أو بالفكرة الهادفة ؛ عندما لا تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار ، وأهم من كل المصالح الشخصية ، أنا لا أنتمي عندما لا أسعى لتحقيق المزيد من الإنجازات والخدمات التي تحقق رفاهية المجتمع وتقدمه ، عندما لا أهتم بالثوابت والقيم الوطنية ، عندما لا أتصف بالإعتدال والوسطية واحترام الآخرين والإيجابية والإبتكار وحسن الخلق ، أنا لا أنتمي عندما أسمح لعقلي أن يتشرب الأفكار المسمومة الهدامة في وسائل الإعلام غير الوطنية والخارجية من أعداء الوطن.
الوطن بحاجة للمواطن المنتمي الذي تظهر عليه كل سمات التضحية ، والذي يُسخّر إمكاناته لخدمة الوطن ودفع الضرر عنه ، والذي يحرص ويحافظ على أمنه واستقراره وسمعته الطيبة. الوطن بحاجة للمواطن الذي يجعله أولاً بكل معاني الصدق والوفاء والإخلاص والعمل المثمر.
وأخيراً أقول : مهما قلنا بحق الوطن لن نصل إلى قدر أهميته ، ولن يستطع يوماً أن يصفه واصف ، ولن تستطع الأشعار والمقالات أن تفيه حقه أو تعوض جزءاً من حبه أو الحنين إليه ، ونحن مهما قمنا به من تضحيات ، لن نفيك حقك يا وطني ، فأنت هويتنا ووجودنا واستمرارنا ، ولو ابتعدنا اياماً وأميالًا ، سيظل حبك مختلطاً بدمائنا ، تضخه قلوبنا ما دامت تنبض ، أنت يا وطني متمكناً في نفوسنا ، عميقاً بين أضلعنا ، حبك مزروع في أرواحنا ، ونسأل الله أن يديم علينا نعمة الوطن ، وأن يحفظه لنا من كل شر ويبقى بعزه وكرامته.
خافق في المعالي والمنى عربي الظلال والسنا
في الذرى والأعالي فوق هام الرجال زاهياً أهيباً.
د. يوسف العجلوني
