عاجل

د. يكتب العجلوني يكتب.. عندما تستطيع القرار سوف تملك الدنيا وما فيها

وكالة الناسد. يوسف العجلوني – القرارات الصحيحة والصائبة في الأمور المهمة في حياتنا هي من أهم ركائز التقدم والتطور والنجاح المهني والمالي والإجتماعي على المستوى الشخصي والعام.

إن اتخاذ القرار هو إجراء لأمر مستقبلي يتعلق بالإنسان نفسه أو بمن حوله ، وقد يكون ذلك بالإختيار بين حلّين أو أكثر ، وممكن أن يحتاج إلى تخطيط ودراسة كافية كتنفيذ مشروع تجاري أو مهني ، أو التعامل مع أحداث عائلية أو اجتماعية ، او إيجاد حلول لمشكلة مستجدة.

القدرة على إتخاذ القرار ممكن أن تكون ميزة يُولد بها الفرد ، ولكن في الغالب هي مهارة تُكتسب من الحياة وتتطوّر وتنمو مع التدريب والتأهيل وتعتمد على أمور عدة.

إن إتخاذ القرار جزء هام في حياتنا ، لتطوير كل ما يخص الإنسان مثل : تطوير المهنة والمؤسسات ، وتطوير النفس والأسرة ، وتطوير المعيشة والمجتمعات والدول.

القرار الحكيم القوي الواضح هو بداية النجاح ، وإلا سيكون طريق الحياة مليء بالأعذار الناتجة عن نقاط الضعف والفشل والتخلف والفساد ، مما يُفقد الإنسان الأمل بالمستقبل ، لأن إتخاذ القرار هو جوهر القيادة واستمراريتها ، وخاصة عندما تتجه القرارات نحو الإيجابية المعتبرة ، وذلك سوف يصنع فرقاً ملموساً في كل نواحي الحياة.

القرار مهم في بناء الأسرة النموذجية التي تكّون المجتمع ، فالقرار الصائب هنا يساعد في إيجاد أسرة متماسكة ملتزمة بالأخلاق والأصول ، ومتزنة نفسياً واصلة للمستوى العلمي المطلوب ، ولها قيمتها الاجتماعية المتميزة. ويبدأ من هنا بناء جيل منتمي قادر على تحمل المسؤولية ، وقادر على المحبة والعطاء ويعرف الطريق الصحيح الآمن .

صاحب القرار ممكن أن يكون بأي عمر ابتداءً من سن الطفولة ، وتكون القرارات حسب المرحلة العمرية ، ولكن في القرارات العامة للمؤسسات والدول ، يجب أن يكون صاحب القرار في مرحلة معتبرة من السن والخبرة ، وعنده من صفات التميز ما يكفي في مجال القرار ؛ يحب أن يكون ناضج الفكر ، ثاقب النظرة ، قوي الشخصية ، صادقاً ، متانياً ، يمتلك العقل الراجح والإنسانية ، ويدرك الواقع بجميع أبعاده ، وعنده القدرة على خوض المغامرات الحاسمة وتحدي الصعاب ، لأن القرار الموفق يحتاج إلى متطلبات ومقومات وإمكانيات متنوعة حسب حجمه ، وذلك كي يكون في مكانه ويكون الفوز والنجاح في الإتجاه الذي صُنع من أجله هذا القرار.

القرار ليس بالأمر السهل ، ولابد أن يكون ثمرة علم وثقافة ، وتجارب متكررة ، وخبرة وتمرس بالحياة ، والمقارنة بالمجتمعات المختلفة ، والإستفادة من تجارب وخبرات الآخرين في قرارات سابقة وما آلت إليه نتائج تلك القرارات.

القرار يعني القدرة والمنطق والعقلانية والقناعة. القرار يعزز الثقة بالنفس وإحترام الذات ويحدد المسار الأفضل الذي يحافظ على الكرامة والشعور بالقوة والعزة والإستقلالية ، القرار يعني تجاوز جميع العقبات والتحديات دون خوف أو تردد ، القرار يعني الأمل الكبير في القادم من خلال رسم الخطط المستقبلية وبدائلها بتمعن للحصول على أفضل النتائج.

من يصنع القرارات يجب أن يكون مؤهلاً لذلك ، متمرساً في الحياة وفي مجال عمله ، مطلعاً على الثقافات المختلفة ، ولديه خبرة واسعة في مجال القرار ، واثقاً من نفسه ، نظيفاً وأميناً ، تاريخه حافل بالإنجازات والنجاح،ومشهود له بالنزاهة ، يمتلك الحدس القوي ، منطقي وحازم، لا يستمع لأصدقاء السوء ، ويمتلك المعلومات الكافية لصنع القرار ، ويستطيع أن يفسرها بطريقة صحيحة ، وعنده خلفية كاملة وواضحة عن كل ما يدور حول القرار ، وهنالك مستشارون خبراء إذا لزم الأمر ذلك.

يجب أن يعتمد إتخاذ القرار على الحدس والمنطق ، مما يؤدي في معظم الأحيان إلى إتخاذ قرارات سليمة وصائبة ، ولا مانع من إدخال العاطفة والرحمة في بعض النواحي ، فالحدس يتكون من خبرات سابقة ، وقوة عقلية وإدارية وقدرة شخصية وإجتماعية ، وسمات خاصة مميزة يمتلكها الفرد ، والمنطق يأتي من استخدام المعرفة والأرقام والحقائق الموجودة والإستشارات المتمكنة المؤتمنة. إن الإعتماد على الحدس وحده قد لا يكون كافياً ، والمنطق وحده قد يهمل الجانب الإنساني والخبرة ،ويركّز على الحقائق المادية.

اتخاذ القرار المناسب في وقته ومكانه إن كان ايجابياً او سليباً ، صاب أو خاب ، دائماً هو الشيء الأفضل مهما كانت النتيجة ، لأنه يريح الخاطر والنفس ، ويدل على خبرة في الحياة ، وشجاعة وتمكن. القرار ممكن أن يُصنع بإيجابية وتكون النتائج مجدية لصاحبه والآخرين ، وممكن أن يُصنع بسلبية مقصودة ، ويعود بالفائدة والمكاسب على صاحب القرار فقط ومزعجاً لبعض الناس ، متمشياً مع المثل القائل “مصائب قوم عند قوم فوائد” والمثل القائل “التكبر على المتكبر صدقة” ، وهنا يعتمد الأمر على كيفية صناعة القرار ، بحيث يكون متناسب مع الموقف والمكان والزمان والأشخاص الذين يشملهم القرار ، ويجب أن تكون الشدة في القرار متناسبة مع الحدث وأهميته ، دون ظلم أو انتقام.
القرارات يجب أن تُصنع بذهن صافي ، وتمهل دون عصبية ، ويجب الإنتباه للعامل الإنساني والرحمة إذا احتاج الأمر.

النجاح قد يكون حليفنا في بعض القرارات ، وقد لا يكون في قرارات أخرى ، الأهم هنا استعدادنا لتحمل النتائج مهما كانت ، وإيجاد حلول لكل ما يستجد ووضع خطط بديلة لها وقرار آخر تابع للأول ، وهكذا حتى يكون النجاح وتحقيق الهدف المطلوب.

قبل القيام بأي قرار يجب جمع المعلومات اللازمة الكافية عن موضوع القرار ، واحرص على فهم كلّ العوامل والجوانب المتعلّقة بالقرار ، ويجب أن تتحدّث مع الأطراف ذات العلاقة ، وتجنّب الأفكار المشحونة ، فكّر جيداً بالوقائع والحقائق ، وخذ وقتاً كافياً ، وقارن بين سلبيات وإيجابيات القرار الحالية والمستقبلية ، ثم ركّز على ترتيب أولوياتك ذات العلاقة بهذا القرار من الأهمّ إلى الأقل أهمية ، فكّر في البدائل ، ابتعد عن انتهاج أسلوب الأبيض أو الأسود ، فالحياة مليئة بالمناطق الرمادية ، هنالك حلول متعددة لكلّ مشكلة ، وعدّة طرق للتعامل مع أيّ موقف مهما كان ، فكّر بالحلول والخيارات التي تتضمن تسوية أو تنازلات معيّنة ، ضع دوماً خطّة للطوارئ حتى لا تتفاجأ وتكون مستعدّاً للمشكلات التي قد تواجههك ، حتى تكون دائماً مستعداً ومتماسكاً ومتزناً مهما حدث ، وبذلك ستكون أكثر قدرة على تحليل الموقف الذي ينتج أمامك ، ثمّ اختار الحلّ الأنسب الذي يعود عليك وعلى من حولك بأكبر نفع ممكن . تذكر أنك تستطيع طلب العون من الآخرين حتى يشاركوك ويتقبلوا معك النتائج ، فالقرارات الجماعية تُسهم في تخفيف التوتر وتوزّع المسؤولية على الجماعة.

يجب أن يكون القرار بحزم ما دامَ فيه خيرٌ لكَ ولمن معك ، ولا يعني الحزم أن تصر على رأيكَ بكلّ تعنّت وتسلّط ، بل إن رأيتَ أن هُناكَ ما هو أفضل من رأيك فحاول أن تعدِل عنه إلى ما هوَ خيرٌ منه ، وهذا لا يُعدُّ ضعفاً ، بل حكمة وعدل ، وهذا يعكس الشخصية القوية والثقة بالنفس والعقل الرشيد.

بمجرد اتخاذ القرار لا تتردد به ، فالإبحار بالعمق تجربة رائعة ، لا تشعر بالنّدم والحسرة إذا عادَ عليكَ القرار بنتائج عكسيّة وسلبيّة لم تكُن تتوقّعها ، وقرر من جديد للحلول البديلة ، فأنت قد بذلتَ ما في وسعكَ في التفكير والأخذ بكافة الأسباب ، ولا تعلم فلعلَّ ما حدث معك هو خيرٌ لكَ ، وأنّ الخير هو في عدم حصول ما قررته ، فرب حتف امرء كان فيما تمناه.

في القرارات المصيرية ، فكّر في نتائج القرار على المدى القريب والبعيد ، حدد ما تنوي فعله ولا تتمادى وتبالغ ، كما يجب التعلم من الأخطاء السابقة عندك وعند الآخرين وتلافيها أو تصحيحها.

إذا اقتنعت بقرارك ، فلا تعر أذناً صاغية لكلام الناس ، فهم لا يستطيعون الدخول الى نفسك ولن يشعروا بحقيقة شعورك ورغباتك ، يجب أن لا يهمك كلام أولئك الذين يثبّطون العزائم ، ويضغطون عليك لتمارس عملاً سيئاً لأنّهم عملوه ، أو تترك خيراً لأنّهم تركوه ، فدقق النظر جيِّداً بمن هم حولك؛ ومدى علاقتهم بك ، ومصلحتهم معك ، ومحبتهم لك ، وخذ أحسن القول.

وأخيراً ، الحياة مراحل ومحطات ، وتحتاج لمجموعة من القرارات ، فكُن صاحب قرار وإن خذلك الإختيار ، لا تركع أو تخنع لمخلوق ، فقد يتساوى الكثير في معظم الأمور ، وتذكر بأن من ينحني مرة واحدة لن يستقم بقية العمر ، الحياة واحدة والعمر واحد ، والذات واحدة ، لذلك اتخذ بنفسك القرار المناسب في وقته مهما كانت النتائج ، واحرص على مشورة من يشاركك رحلة العمر ، فالمشورة وتبادل الخبرات هي أساس معظم القرارات السليمة الناجحة والمثمرة.

د. يوسف العجلوني