د. العجلوني يكتب.. المالُ وسيلةٌ وليس غاية،هناك أشياء لا تُقدَّر بثمن

د. يوسف العجلوني

المال ضرورة مُلِحّة ، هو عصب الحياة ، بِه تُقضَى الحاجات ، وتُلَبّى الرغبات، وتَتَحقق المنافع ، وتُنَفَّذ المشاريع ، وتنتعش الزراعة والتجارة والصناعة والإقتصاد ، وبه يتم إنشاء المؤسسات ، وتُبنى الدول وتزدهر الحضارات.

يُعتبر المال إحدى وسائل السعادة ، حيث يمنح صاحبه القوة والسلطة والمَنَعة ، ووجوده بوفرة يمنح صاحبه الأمان ، والمستقبل الناجح والسيادة في أمور متعددة قد يَسهُل الحصول عليها عن طريق المال.

المال له سيطرة على حياتنا في مختلف النواحي ، فقد يدفعنا للقيام بأعمال لا نحبها ، ونستمر في وظيفة لا تناسبنا ، وقد يكون المال سبباً في ضياع الأيام الجميلة ومتعة الحياة ، وذلك حينما نسعى بشتى الطرق لجمعه ، تاركين وراءنا أموراً كان يجدر بنا الإهتمام بها. المال قد يسبب لنا العناء والمشقة في الحصول والمحافظة عليه ، وقد يسبب لنا الألم في حال ضياعه ، وقد نشعر بالخوف والقلق في كيفية صرفه ، ودرجة كفايته ، وكيفية إدارته ، وطرق زيادته.

بعض الناس يخافون عند صرف المال الذي جمعوه ، وقد يكون لدى البعض خوف شديد من تناقص المال ، فيصبح لديهم مرض يُعرف برهاب الكرماتوفوبيا ، هؤلاء هم الذين يخافون من إنفاق الأموال على أي شيء حتى عندما يتعلق الأمر بتغطية الحاجات الأساسية : كالطعام والشراب واللباس ، ويجدون صعوبة في سداد ديونهم حتى عند قدرتهم على ذلك ، وممكن أن يصل بهم المرض الى مرحلة رفض فكرة شراء أي شيء مهما كانت الحاجة إليه ، وهنا يكون المالُ وبالاً ونقمةً على صاحبه.

المال عند أهل المنطق والعقلاء وكرماء النفس ، وسيلة لحفظ الكرامة وعزة النفس ، وتحسين مستوى الحياة وعمل الخير ، وليس غاية ، فهم يكتفون بما قسمه الله لهم ، ولا يخسرون أشياء أخرى مقابل الحصول على مزيد من المال ، وليسوا مضطرين للقيام بأي عمل لا يناسبهم ، وتراهم بنعمة وهناء ، وينفقون من المال حسب الحاجة وضمن ضوابط منطقية سليمة ، وهم بذلك يملكون العزة ، ويحظون بمحبة الناس ، ويعيشون براحة وأمان ويرتاح معهم أهل بيتهم ومن حولهم.

عندما يصبح المال وسيلة للسعادة والخير ، سوف يَنشر البهجة في قلب صاحبه والمجتمع الذي حوله ، ويُسعِد قلوب الناس من أصدقاء وأقارب ومحتاجين ، فيكون المال بذلك مصدراً للمتعة والرضا والشعور بالسرور ، بسبب تقديم النفع للناس ورؤيتهم سعداء ، فتسعد بذلك النفس والروح.

بعض الناس يجمع المال ويكنزه ، ويصبح عنده غاية ؛ فيصبح همه الوحيد هو جمع المال والسعي إلى زيادته بشتى الوسائل ، لا يهمه إن كان ذلك بالحق أو بالباطل ، بالحلال أو بالحرام ، حتى يجد نفسه في آخر محطات العمر ، وتصيبه الأمراض الجسمية والنفسية ، واذا
به وقد ترك ماله لزوج زوجته القادم بعده ، أو لأزواج بناته وزوجات أبنائه ، فما نال من ماله غير التعب ، وضياع الوقت والصحة ، والمعاناة والخوف والقلق والشقاء والألم والتعاسة.
هذا هو الإنسان الذي حكم على نفسه بأن يكون عبداً للمال ، فقد عانى في جمعه ، وعاش بقلق على حراسته ، وخاف على ضياعه ، ولم يُفرّق بين حلال أو حرام من أجل جمعه ، بينما كان عمره ينقص ، وصحته تقل ، والموت يدنو منه ، فترك ماله الذي جمعه بشتى الطرق وفرّط بسعادته ، ليبقى المال في الدنيا لمن يستحقه ، ويذهب هو ولم ينوبه من المال سوى وزره وحسابه ، إضافةً إلى ما ناله في دنياه من بخل في الإنفاق ، وسوء سمعة ، وبُعداً عن الشهامة والمراجل والمكارم وطيب النفس.

علاقة الإنسان مع المال مُحزِنة ومؤلمة ، فالإنسان يبدأ بمال قليل ويملك الصحة ، ثم ينظر للمال كوسيلة لمزيد من السعادة ، فيسعى إليه على هذا الأساس ، ويستهلك صحته ووقت متعته ، ولا يكاد يملأ يديه منه ويشعر بالقوة والقدرة والمتعة والسعادة ، حتى ينسى الأساس الذي انطلق منه ، وينسى أنه يريده وسيلة ، فيصبح المال لديه غاية ، فيبدأ يركض من اجله ليلاً ونهاراً ويتعب ، ويقلق ، ويتألم ، ويعاني ، ويخاف ، فتضيع متعته وسعادته ، وتضيع صحته ، وتذهب قوته وقدرته ، ويضيع عمره ، ويبقى المال ليحصل عليه إنسان آخر غيره.

إن الاستمرار في جمع المال لعبة خطيرة ، ولا يُنصَح بها ، وليس لها نهاية ، وتستهلك الصحة والسعادة والعمر ، لذلك فكّر في عمل تحبه ، ومال يكفيك ويحقق لك ما تحتاجه للعيش بسعادة وراحة بال ، لتكسب نفسك وعمرك وتعيش بين أحبابك ، وهذا أفضل من أن يكون المال عندك غاية حيث العناء والألم والشقاء.

هنالك أشياء في الحياة لا يُمكن شراؤها بمال ، بل هي منح وهبات من الله ، وهي أفضل بكثير من أشياء ثمينة وفاخرة قد تُشترى بالمال ؛ فهناك الحب الحقيقي والإحترام ووجود الأحباب والأصدقاء والعائلة والذكريات الجميلة والسمعة الطيبة ، والأخلاق الحميدة ، والإستقامة ، والصدق ، والضمير الحي ، والنزاهة ، والشرف ؛ هذه نعم عظيمة قيمتها أكبر بكثير من قيمة أي مال ؛ هنالك أيضاً نعمة المعرفة والفهم والفطنة ، ونعمة القبول عند الناس ، ونعمة البصيرة ، ونعمة الرضا والقناعة ، ونعمة الشجاعة ، ونعمة راحة البال ، ونعمة التوفيق ، ونعمة البركة. وأكبر نعمة من الله هي نعمة الصحة والعافية ، وكلها نعم عظيمة قيمتها أكبر بكثير من أموال الدنيا وكنوزها.

هناك هبات وميزات أعطاها الله للناس لا يمكن شراؤها بالمال ، مثال ذلك التعليم ، يمكن الحصول عليه في المدارس والجامعات والمعاهد ، ولكن لا يمكن شراء الثقافة. فما أعطاك الله من هبات ، تمتع واسعد بها. الموهبة لا يمكن لأحد أن يأخذها أو يشتريها منك ، أنت الوحيد الذي يمكنه امتلاكها و تنميتها و التمتع بها.
عندما يكون المرء قادراً على التعامل مع تحديات الحياة وآثارها المقلقة والمزعجة ، وقادراً على التخلص من الضغوط والمشكلات التي تؤرقه وتعكر صفوه، عندئذٍ هو يملك نعمة كبيرة وهي القدرة على العيش بسكينة وراحة بال.
أن تكون قنوعاً بما لديك ، غير طامع فيما عند غيرك ، و غير ساخط على قَدَرِك وحظك ، بل حامداً وشاكراً و مكتفياً بما معك ، عندما يكون لديك هذا الشعور فأنت تملك كنزاً عظيماً.
الحكمة نعمة يفتقر إليها الكثير من الناس ، وامتلاك هذه النعمة يجعل صاحبها مميّزاً ، وتساعده في تحديد واختيار الأشياء الصحيحة ، والحكمة لا تُشترى بمال ، بل تُوهب لك ، فإن كنت تتمتع بالحكمة فأنت لديك كنز عظيم لايُقدّر بثمن.
الصدق أحياناً يكون مؤلماً عند التعامل مع البعض ، ولكن تمسكك به وثباتك عليه سيجعلك تشعر بالراحة والرضا عن نفسك ، وهذه نعمة خفية لايشعر به إلا أصحابها ، على عكس الغارقين في بحر الكذب ، فالكذب يُتعب صاحبه ولا يجني من وراءه سوى القلق والشك الذي يُفقده راحة البال والطمأنينة.
ولا تنسَ نعمة أن يبارك الله لك في كل أمورك : في حياتك وبيتك و صحتك وعملك وعائلتك وأولادك ، هذه نعمة لا تُشتَرى بأموال الدنيا.

و أخيراً اقول: إذا كان لديك أي من النعم والميزات هذه ، ابذل قصارى جهدك للحفاظ عليها ورعايتها وعدم ضياعها ، واشكر الله دائماً عليها. وإذا كنت تفتقر لأي منها ، فتضرع إلى الله أن يمنحك إياها. واجتهد وثابر وطوّر نفسك لتحظى بها ، حيث لا يمكن امتلاكها بالمال.احمد الله دائماً أينما وصلت ، وعلى ما أنت فيه من ميزات وهبات وصحة. وتذكّر ان الغني صاحب القصور والملايين ، قد يكون محروماً من العافية ، ويُنفِق كل أمواله ليَنعم بلحظة يكون فيها بعافية ، و لكن قد لا يستطيع ذلك ولا تنفعه أمواله.
حان الوقت لأن تتوقف عن اللهث وراء المال ، وعليك بالتوقف عن ما يزعجك من الأعمال ، وتقاعد مبكراً إن استطعت ذلك لتستمتع بما حققت ، وعليك أن تكسب الوقت للعيش الكريم المريح وأنت بصحتك ، فالحياة تأتي مرة واحدة ، وأيامها معدودة.

د. يوسف العجلوني