زياد خازر مجالي يكتب: إلى المنامة: مع خالص المودة

وكالة الناس – زرتك طالباً عام ١٩٧٤ بعد استقلالك بثلاث سنوات، وكنتِ كما بغداد عندما زرتها قبل ذلك بأربع سنوات، تعيشين الزمن الجميل فلا سموم طائفية دينية ولا إثنية ، آمالك كانت كبيرة ، كما كل عاصمة عربية كانت تطمح للتطور والنمو السريع، اهلك طيبون كانوا يعشقون وطني الأردني ، ويشاركون وطننا العربي الاكبر هموم النكبة والنكسة. فتركتِ في قلبي أثراً طيباً لا يُنسى.

ومن محاسن الصدف أن تجاورت سفارتانا في واشنطن حيث عملت منتصف الثمانينات، فتعرفت على الصديق الشيخ خالد بن احمد آل خليفه الذي يعشق عمان التي أنهى فيها دراسته الثانوية، وأمضينا سوياً أسبوعاً في دورة لأكاديمية السلام الدولي في فيلادلفيا ، ثم فرقتنا مهنتنا الدبلوماسية لنلتقي ثانية في بيروت خلال ماراثون صناعة اتفاق الدوحة لحل الأزمة اللبنانية عام ٢٠٠٨.

عزيزتي المنامة : قناعتي ان فوضى منطقتنا منذ عام ٢٠١١ لم تغير من جوهرك العربي الأصيل ولن تغير ، فأنت بهذا اليوم الصيفي الحار لست فقط مكاناً وبياناً لدعوة مشتركة مع واشنطن ، للقاء حوله علامات استفهام ليس لك فيها ناقة ولا جمل، ولكنك في النهاية تأخذين اصطفافك المعهود مع الحق والعدل، مع عمان ومع الاشتياق الفلسطيني للحرية ونيل حقوقه المشروعة.

تحتضنين يا منامة البحرين اليوم ورشةعمل تحت مظلة الجانب الاقتصادي مما يسمى صفقة القرن ، ولا شك تعلمين انه لقاء خلافي، ومن جانبي الشخصي كنت ادعم المشاركة الاردنية برغم ان الرأي العام الأردني لم تتح له فرصة فهم وجهة النظر الداعمة للمشاركة ،وكنت أتمنى لو كانت مشاركتنا بممثل سياسي لا تتقن أذناه فن الاستماع للأرقام ، لكنها تتقن فهم فن السياسة التي ينتهجها الاْردن بحكمة متوارثة لدى قيادته. وبالمقابل ،أتفهم تماماً رفض أشقائنا غربي النهر للمشاركة، فبعيداً عن الجانب السياسي الأهم، ما كان لواشنطن ان تتوقع مشاركة فلسطينية في مؤتمر مالي اقتصادي بعد ان وجهت صفعات مالية واقتصادية واضحة الأبعاد للجانب الفلسطيني، بدأت بوقف دعم الأونروا ، ولَم تنته بوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية، فباتت بالنسبة لهم الرسالة السياسية ( الخفية ) معلومة من عنوانها الاقتصادي ( الوضيع ).

اختصر جلالة الملك في رسالة للاذكياء مبرر مشاركتنا في ورشة عمل المنامة ( لا نريد ان نكون خارج الغرفة ) ، وكنت أكرر لبعض الاصدقاء صورة مطابقة ، فعندما تضع قوىً دولية مؤثرة ميزان العدل، وقواعد القانون الدولي جانباً ، واعلم اني أيضاً طرفٌ مستهدفٌ ، فإنني (( إن لم اجلس حول المائدة ، فمؤكد انني سأكون جزءاً من قائمة الطعام )). وأذكّر من نسي من النشطاء السياسيين في اردننا : فقد شاركنا في لقاء وارسو ، وقلنا موقفنا بصراحة، أزمة الشرق الأوسط ليست ايران – مع اننا دائماً نطالبها كما جيراننا الآخرين: الجوار السلمي وفق قواعد القانون الدولي – لكن أزمة الشرق الوسط هي القضية الفلسطينية الواجب حلها وفق الشرعية الدولية وإنشاء الدولة الفلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.

توافقت الشهر الماضي مع صديقي د. فارس بريزات خلال لقاء مع تلفزيون المملكة ان اليمين الاسرائيلي المتطرف لن يسمح بتشكيلٍ حكومي اسرائيلي يتعامل مع خطة كوشنير العرجاء العمياء، فلننتظر لاءهم تصفع كوشنير وطاقمه، قبل لاءنا نحن… وفعلاً صدق توقعنا وعجز نتانياهو عن تشكيل حكومة ، ولا أتوقع ان تغير انتخابات أيلول القادم من الامر شيئاً، فاليمين العنصري المتطرف في اسرائيل بات وللأسف، ممسكاً بالجانب الأهم من الثلث المعطل، حيث انه بات وللأسف ممسكاً بأداة التكوين الثقافي للفرد الاسرائيلي .

وعوداً على ( السلام من اجل الإزدهار ) ، فاول امس كنت اتحدث مع صديق عزيز أجل وأحترم، فقلت له انه و بعيداً عن مناقشة المبدأ ، فإن الارقام المتواضعة جداً التي تضمنها البعد الاقتصادي لصفقة العصر التي افرج عنها البيت الأبيض ذكرتني بأمرين، الاول: انه وفي منتصف تسعينات القرن الماضي ، وعندما كانت الآمال كبيره بوصول اتفاقات أوسلو الى نهاياتها بما فيها قضايا الوضع النهائي، ومنها قضية اللاجئين الفلسطينيين ، سألني حينها سمو الامير الحسن بن طلال حفظه الله، وكان نائباً للملك الباني الراحل، عن سبب تكراري لموضوع تعويض الدول التي استضافت اللاجئين ، فقلت انه من الضروري بداية ان يصبح الامر جزءاً من الادبيات السياسية تمهيداً لاتخاذ قرارات إقليمية ودولية تدعمه، وهكذا كان، فقد عملت الدبلوماسية الاردنية على اتخاذ قرار بشأنه في الجامعه العربية، وقرار من الجمعية العامه للأمم المتحدة مطلع الألفية يؤكد حق الدول المستضيفة للاجئين بالتعويض بعد الحل النهائي لقضيتهم بالعودة و ( أو ) التعويض.

الجوهر الذي كان في ذهني في حينه – مع اجواء التفاؤل التي سبقت اغتيال المتطرفين لاسحق رابين – ان تعويض اللاجئين الفلسطينين سيحدث خللاً في التوازن داخل المجتمع الأردني نتيجة ضخٍ مالي لدى شريحة دون الاخرى ، وقدرت ان تعويض الدولة المضيفة بالمقابل وعند استثماره (برشاد) في المحافظات والأطراف البعيده في المملكة ربما يكون سبباً في تجسير الهوة المالية بين مكونات المجتمع الواحد الموحد. ولهذه الغاية سألت صديقي د. فايز عمر ،الذي اصبح لاحقاً نائباً لرئيس البنك الدولي، فأجابني عام ٢٠٠١ ان حساب التعويض صعب لكنه ممكن، وكانت التقديرات في حينه، اَي قبل عقدين، عشرة مليارات دولار في الحد الأدنى لصالح الاْردن ، تعويضاً غير مشروطٍ.

لذلك رأيت في الارقام المتواضعة المشروطة المخصصة للأردن مطباً يتسق مع الامر الثاني الذي ذكرتني به، وهو طرفة تشرشل مع سيدة المجتمع التي عرض عليها ان تنام معه مقابل خمسة ملايين جنيه، فانبهرت ووافقت وطلبت مناقشة الشروط، ثم عاد ليعرض عليها خمسة جنيهات مقابل ذلك،فصعقت وقالت : هل تظن انني ( بائعة هوى) ؟ فأجابها: أن هذا المبدأ تم اثباته، ونحن الان نناقش السعر !!!
لذلك آمل من تمثيلنا في المنامة ان يسمع ولا يهمس، وإذا تحدث ، فأن يتحدث بالسياسة ولا يتحدث بلغة الارقام.

وبعد يا عزيزتي عمان والمنامة ، دعوني اهمس لكما بسر ، ويقيني ان اغلب الأردنيين في أعماقهم يدركوه، لكن ثلاثي كوشنير وفريدمان وغرينبلات صعب عليهم فهمه: عندما قال الملك عبدالله الثاني ان ضغوطات مئات المليارات لا تهمنا، فنحن لا نبيع الأوطان ، كان وما يزال يعنيها لانها مبدأ متوارث منذ الحسين بن علي طيب الله ثراه. وشقيقنا الفلسطيني يعلم تماماً اننا لدينا طريق مختلف في احترافنا فن ممارسة سياستنا الخارجية، ولكنه يعلم تماماً ان الاْردن لا يعيش بنصف قلب، وسيبقى لصيق ونصير النصف الثاني لقلبه .