0020
0020
previous arrow
next arrow

ألمانيا تؤبّن الرئيس المصري الراحل محمد مرسي

من منّا لا يعرف الفيلسوف أفلاطون أو الرسام فان غوخ؟

من غير أدنى شك لو أنّنا تحدّثنا في الرياضيات أو الفلسفة سنستحضر بالضرورة أفلاطون، لم يعرفه العالم إلّا بعد موته. أمّا الآخر فمات فقيراً معدوماً مريضاً لا يعرفه أحد، ولم يستطع في حياته بيع لوحة واحدة.

أول رئيس مصري مدني منتخب هو الدكتور الراحل محمد مرسي، تولّى مهامه في 30  يونيو/تموز 2012م حتى عُزل في انقلاب عسكري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي 30 يونيو/تموز 2013م، أُعتقل على أثره وبقي في السجن حتى وافته المنية بعد 6 سنوات في 17 يونيو/تموز 2019م في الأسبوع السالف.

وهذا هو حال الشارع العربي، لم يتحرك تجاه الرئيس المنتخب المعتقل إلّا بعد موته.

الملفت للنظر أنّ العالم العربي والغربي وقف متفرجاً في تلك الأثناء وإبّان التغيير المحوري الذي تحوّل في مصر من حكم مدني ديمقراطي إلى عسكري قمعي، وكيفية سيطرة المؤسسة العسكرية بذريعة حلّ الأزمة السياسية حتى اكتملت الخطوات الإنقلابية على أول رئيس مدني منتخب للبلاد. ولم تأتِ ردود الفعل العربية والدولية بغير التنديد والتعبير بعدم الرضى والإحساس بالقلق لتدخّل العسكر في شؤون الدولة.

بعد موت مرسي تعالت الأصوات الشعبية رافضة الظلم الذي وقع عليه وكأنه أُعتقل بالأمس، ولم يمضِ على سجنه أكثر من 6 سنوات، فتذكّره العالم عندما هوى أثناء الجلسة مفارقاً الحياة، فتعامل الشارع العربي مع موته وكأنه فاجعة ألّمت بالوطن الكبير، إذ أُعتبرت وفاته وفاة الديمقراطية والحريّة في آن.

تأجّجت العامّة في كل البقاع العربية والإسلامية مناقضة مع وجوم الحكّام العرب، حيث أنّ أحداً لم يقدّم واجب العزاء لذوي الرئيس الراحل سوى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة.

في الوقت الذي منعت حكومة العسكر بقيادة السيسي إقامة عزاء وصلاة جنازة للرئيس الراحل محمد مرسي اشتعل العالم العربي والإسلامي تنديداً، فأقام المسلمون في كل بقاع الأرض صلاة الغائب وقدّموا واجب العزاء.

ففي فلسطين أقاموا له بيت عزاء وفي المسجد الأقصى صلاة الغائب. وكما أقامت الأردن بيت عزاء وصلاة الغائب. ولم يختلف الحال في الدول العربية الأخرى، ففي تونس وليبيا والمغرب والجزائر، كما في تركيا أُقيمت له صلاة الغائب بإمامة رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، كما في أوروبا أيضاً، إذ صلّت عليه الجالية الإسلامية في برلين وبريطانيا واليوم في هذا المساء انتهت الوقفة التأبينية في مدينة دوسلدورف الألمانية.

أخفق السيسي ومعه الملوك والرؤوساء العرب في أداء واجب العزاء لرئيس مصر المدني، فأنصفه العالم العربي والغربي.     

هناك نقطة لا بدّ أن أقف مع المتلقي عندها، ألا وهي منع الحكومة الأردنية صلاة الغائب على الرئيس محمد مرسي – رحمه الله – أمام السفارة المصرية.  هل رغبة الشعب الأردني في أداء حقّ الله وحقّهم المشروع تُحرج الحكومة أمام مصر؟

إذا كانت رغبة الشعب تثير حفيظة الحكومة المصرية، فما الذي يجعل محافظ عمّان يتبناها دون أي خلفية قمعية؟

هل المنع كان حصراً أمام سفارة مصر؟ أم أنّ السماح لصلاة الغائب وفتح بيت عزاء للرئيس الراحل تمثّل قصراً أمام الأمانة العامّة لحزب الإخوان فحسب؟

وجزئية أخرى جديرة بالذكر هي التهميش الإعلامي الرسمي الأردني ممثّلاً بصحيفة “الرأي” و”الدستور” الذي بدا واضحاً من خلال التجاهل بعدم تقديم خبر وفاة الرئيس صباح الثلاثاء. حتى الصحيفة التي تروّج لنفسها بالإستقلالية “الغدّ” اكتفت بخبر الوفاة دون الإشارة إلى حيثيات الحادثة أو حجم تفاعل المجتمع العربي والأردني معها. هذه الخطوة التعتيمية كشفت حجم الإنشقاق الشعبي مع الحكومة، حيث وصل تداول الخبر في شبكات التواصل الاجتماعية والصحف المستقلة أوجه.

تزامن إحجام الزعماء العرب عن تقديم واجب العزاء بتصريح الخارجية الألمانية عزائها وحزنها على وفاته، فكانت أكثر تعاطفاً معه عربياً والأولى أوروبياً.

لم يختلف الشارع الألماني عن حكومته ممثّلة بالوقفة التأبينية للرئيس الراحل محمد مرسي وهي الأولى أوروبياً التي بدأت ظهيرة هذا اليوم 22 يونيو/تموز 2019م في مدينة دوسلدورف احتجاجاً على الظلم الذي وقع على الرئيس الراحل وتأبينه، حيث تجمّعت أطياف مجتمعية عارمة وقفت موازاة للشارع الشهير شارع “الملوك” ولقد رافقت الوقفة الشرطة الألمانية حفاظاً على أمن الناس وسلامتهم، إذ شارك بها المئات من جميع المدن والجنسيات عرباً ومسلمين وأوربيين على حد سواء.

باشرت الهيئة التركية المشرفة على تنظيم الوقفة “دار الأرقم وبيت الكتاب للإرشاد” في المدينة بشكل مشرّف وحضاري، حيث استطاعت نقل الرفض لنظام العسكر في مصر تجاه الرئيس الراحل المغبون للعالم من خلال الوقفة واستنكار للظلم الذي وقع عليه، وهتافات تعالت بإسقاط حكم العسكر “يسقط يسقط حكم العسر، يسقط يسقط حكم السيسي” وأيضاً “مرسي شهيد عند الله، لا تراجع ولا استسلام السيسي لازم ياخذ إعدام”.   

فهل حال الرئيس المصري الراحل الدكتور محمد مرسي – رحمه الله –  كحال أفلاطون وفان غوخ نسيه العالم في سجنه وأحيا ذكره بعد موته؟

عجيبة هي تراتيب الأقدار، عُيّن رئيساً في يونيو/تموز وعُزل في يونيو/تموز ووافته المنية أيضاً في يونيو/تموز وأُبّن اليوم في قلب الغرب في مدينة دوسلدورف في يونيو/تموز، رحم الله الرئيس محمد مرسي وطيب ثراه.

أحمد سليمان العمري