” يا سليمان .. المنية ولا الدنية “
وكالة الناس – كتب – د. عصام الغزاوي – ما ان نقلت الاستخبارات العسكرية لجلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة المغفور له الملك الحسين معلوماتها عن قرب موعد الهجوم الاسرائيلي المرتقب حتى قرر ان يكون قريباً من جنوده في خنادقهم الأمامية وبقي على اتصال مباشر مع قادة الواجهة العسكرية سواء من خلال الزيارات التفقدية او الاتصالات الارضية واللاسلكية، وامضى ليلة الاربعاء 20 اذار 1968 مع الجنود والضباط في قيادة لواء القادسية المرابط بعارضة عباد، وفي فجر يوم 21 آذار 1968 زمجرت المدافع ودنست أقدام المعتدين ماء النهر المقدس وبدأت الطائرات تغير على المواقع العسكرية الأردنية، لم يدر بخلد اَي من أبناء بلدة عِيرا ان الرجل الذي نزل من السيارة العسكرية – لاند روفر – التي إحتمت تحت أشجار الزيتون من الطائرات الإسرائيلية المغيرة على مواقع المدفعية السادسة في أطراف قريتهم ويرتدي -الفوتيك- العسكري ويمسك بيده علبة سجائر ويضع مسدسه على جنبه هو المغفور له جلالة الملك الحسين، لم يكن معه أية حراسات سوى مأمور لاسلكي وسائق السيارة، تَرَكُوا السيارة تحت ضغط الغارات الاسرائيلية وتابعوا المسير على الأقدام باتجاه معقل المدافع الاردنية بعيدة المدى والتي كانت هدفا رئيساً للقصف، واثناء سيرهم شن العدو غارة قوية على مواقع الجيش في البلدة فجلس جلالته ورفيقاه تحت شجرة زيتون وقال وهو يدخن سيجارته “الله يكون معكو.. الله ياخذ بيدكم يا ابطال جيشنا الباسل”، بعد انتهاء الغارة تابع الملك مسيره حتى مشارف البلدة ومنها الى المنطقة الجبلية نحو المعسكر، لم تثنه قنابل الطائرات عن الوصول اليه لمشاركة جنوده في صد العدوان عن الثرى الاردني ولبث الروح المعنوية فيهم، امضى معهم بعض الوقت يراقب ارض المعركة ويتابع مجرياتها لحظة بلحظة تحرك بعدها بسيارته العسكرية نحو قيادة الفرقة الحربية الامامية بالقرب من الشونة الجنوبية وسط القصف الجوي والمدفعي المكثف رغم محاولات سائقه الرائد سليمان مرزوق الهباهبة ان يقنعه بعدم إكمال المسير لسلامته بسبب قصف العدو للمناطق المحيطة الا ان جلالته رفض ذلك وقال له بصوته الجهوري : ” يا سليمان .. المنية ولا الدنية ” وبعد مناورات وسير بين الأودية وصل القائد الاعلى الى قيادة الفرقة فكان وجوده بين القادة والمقاتلين من العناصر الاولى للنصر في المعركة وفي الساعة الحادية عشرة والنصف طلبت إسرائيل ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وقف إطلاق النار، ورفض الحسين رغم كل الضغوطات الدولية عليه مشترطاً عدم بقاء اَي جندي إسرائيلي شرقي النهر، وبعد تدخل القنوات الدبلوماسية الدولية وافق القائد الاعلى على وقف اطلاق النار بالساعات الاخيرة من يوم المعركة وبعد اندحار العدو، في صباح اليوم التالي الجمعة 22 – 3 – 1968 كان الحسين طيب الله ثراه يجلس على جانب الطريق في منطقة عيرا بين الجنود والضباط وهو يشرب معهم الشاي ويشاركهم حمل جثمان احد شهداء المعركة – ضابط الملاحظة الميدانية للمدفعية الملازم خضر يعقوب الذي احضرته سيارة عسكرية من منطقة الاغوار – الكرامة قبل نقله إلى المستشفى العسكري وكان يدعو له ويترحم على روحه، زار بعدها الملك الراحل ارض المعركة برفقة القادة العسكريون وشاهد الآليات الإسرائيلية التي تركها العدو على ارض المعركة وصعد الى احداها، توجه بعدها الى زيارة الجرحى في المستشفى العسكري في ماركا قائلاً لهم : «الحمد لله على سلامتكم .. لقد رفعتم رؤوسنا ورفعتم رؤوس الأمة العربية» هكذا أدار الملك الحسين رحمه الله المعركة بنفسه وتابعها لحظة بلحظة حتى تحقق النصر الذي سطره شهداء الكرامة ومصابوها وأبطالها رافضاً ان يكون مكانه حيث يجب في غرفة العمليات المحصنة في القيادة العامة في عمان ، رحم الله الملك الحسين الباني، ورحم شهداء الوطن شهداء الكرامة. د. عصام الغزاوي.